الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون

تم نشره في الجمعة 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً

د. أحمد ياسين القرالة

لم يتجاوز الثامنة من عمره، كان طفلاً نبيهاً وذكياً لكن تحصيله الدراسي كان ضعيفاً ومتدنياً، شكله يوحي بلطفه ووداعته، ولكنه كان شرساً عدوانياً، هندامه العام يشي بالبؤس والفاقة مع أنه من عائلة غنية ميسورة الحال.
إنه محمد أحد طلابي في الصف الثاني قبل ربع قرن من الزمان في إحدى المدارس الخاصة.
حاولت فهم التناقض في شخصيته وتفسير الاضطراب في سلوكه، فجلست معه وتحدثنا طويلاً، تبين لي بعدها أن أمّه مطلقةٌ منذ كان له من العمر سنتان، وهو الآن يعيش في كنف زوجة أبيه.
يُسمح له بالذهاب مرةً واحدة في الأسبوع لزيارة أمّه، يسمع منها عن أبيه من الذمِّ والتحقير يعادلُ ما يسمعه عن أمّه من أبيه وزوجته بأسبوع كامل؛ وهذه جريمة نكراء في حق الصغير وتدمير روحي وتحطيم معنوي لنفسيته وتحميلها من العبء ما ينوء بكاهلها.
قررتُ حينها التدخل للمساعدة على حل المشكلة حرصاً على مصلحة طالبنا ومستقبله القادم، خاصةً وأنه طالب ذكي ونبيه، فاتصلت بزوجة أبيه شارحاً لها الوضع، فتحدثنا كثيراً ثم توصلنا إلى أن الحل الأمثل لمشكلته هو أن يلتحق بحضانة أمّه، فهو الحل القادر على إعادة التوازن النفسي والاجتماعي له، وأخبرتني أنه لا مشكلة عند أبيه في هذا الحل إن قبلت الأم بذلك.
فرحت بهذا الجواب واعتبرته بداية الحل لمأساة محمد، فاتصلت بأمه وأخبرتها بحال الولد ووضعيه النفسي والاجتماعي، وبينت لها أن استمراره قد يلحق به الضرر الفادح ويؤدي به إلى ما لا تحمد عقباه؛ فأخبرتها بالحل الذي اتفقنا عليه، وهو بلا شك حل مثالي، ولكن المفاجأة كانت بالرفض القطعي لذلك معللة موقفها بقولها: كيف لي أن أقوم بتربيته بينما أبوه يهنأ مع زوجة ثانية ثم يأتيني لأخذه والمطالبة به بعد أن يكبر ويعتمد على نفسه؟
فقلت لها ليأخذْه أبوه متزناً نفسياً ومستقراً عاطفياً وإنساناً سوياً أفضل من أن ينحرف فيخسرَ نفسه ويخسرَه الجميع، ولكن الأمَّ بقيت مصرة على رأيها وموقفها، عندها انتهى الحوار بيني وبينها وأنا أشعر بالخيبة والإحباط من هذا النمط في التفكير وإدارة الأمور والتعامل مع الأزمات، ومن انعدام المسؤولية والاستهتار بحقوق الآخرين.
أمثال محمد في المجتمع كثيرون، يُتخذون وسيلة لتصفية حسابات وإدارة صراعات طاحنة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، يزجون في أتون معارك ليسوا مهيئين لها نفسياً ولا عقلياً، ويسمعون كلاماً ما كان ينبغي لهم سماعه، ويقفون على سلوكيات وتصرفات كان من الظلم لهم أن يطلعوا عليها.
معارك لا يتورع فيها أحد الوالدين عن مناكفة الطرف الآخر وتعذيبه، لكن ليس بطريق مباشر وإنما عن طريق أنفس بريئة وأرواح رقيقة لا ذنب لها ولا جناية، فيرد له الطرف الآخر الصاع صاعين وبالوسيلة ذاتها، فتتعمق المأساة وتتجذر المشكلة، وتتحطم النفوس.
ومن هذه المناكفات اتخاذ أحد الوالدين المنفصلين من حق مشاهدة الصغير والتواصل معه وسيلة للإضرار بالطرف الآخر، متجاهلا حق الصغير في مشاهدة والديه لإشباع عاطفته، وإرواء غليله وتحقيق إنسانيته.
إن حق المشاهدة ليس خاصاً بالوالدين والأجداد، بل هو حق مشترك بينهما وبين الصغير، فللصغير حق كحقهما لا يجوز التفريط فيه أو إهداره، وقد نظم قانون الأحوال الشخصية الأردني هذا الموضوع وهو إجراء جيد وحسن، ولكنه وللأسف كرّس الحالة الواقعة فاعتبر المشاهد حقاً للوالدين والأجداد فقط، ولم يعتبرها حقاً من حقوق الصغير على والديه وأجداده، مع أن الصغير هو أولى الناس بهذا الحق وأكثرهم انتفاعاً به، وأشدهم ضرراً بغيابه، لذا نقترح على المشرع الأردني إعادة النظر في هذا الأمر، والتصريح بحق الصغير في مشاهدة والديه وأجداده حتى وإن امتنع الوالد عن ذلك؛ استجابة لحاجات الطفل النفسية والاجتماعية.
لست أدري الآن أين هو محمد؟ ولا ماذا فعلت به الدنيا بعد أن غادرتُ المدرسةَ؟ ولكن صورته لا تغيب عن ذهني ولا تغادر مخيلتي كلما وقفت على حالة كتلك الحالة، وظلم كذاك الظلم، هي صورة الظلم في أبشع صوره؛ إنه الظلم الصادر ممن يفترض فيهم أن يكونوا مصدراً للأمن والعدل، والملاذ الأول والأخير من قسوة الحياة ووحشتها.

التعليق