مآلات القضية الفلسطينية..

تم نشره في الأحد 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:04 صباحاً

الفلسطينيون  مهما كانت أعمارهم وأيا كانت فصائلهم أو أماكن تواجدهم وإقامتهم يعرفون جيدا أن فلسطين بلادهم، وأن أغرابا جاءوا واحتلوا هذه الأرض وأقاموا عليها دولة لا تعترف بوجودهم ولا حقوقهم وتعمل كل ما بوسعها على تفريغ الأرض من السكان وإقامة المساكن لأكثر اليهود تطرفا وعنصرية وكراهية للفلسطينيين.
 في  كل بيت فلسطيني صورة لشهيد أو قصة لأسير ومفتاح لبيت مسلوب وأشخاص يعرفون كل القرارات الأممية التي اتخذت من قبل الجمعية العامة ومجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان . يعرفون نصوصها وأرقامها  وتواريخ صدورها وأسماء الدول التي دعمتها أو تحفظت عليها.
الفصائل الفلسطينية التي  انخرطت في مفاوضات اوسلو أو الأخرى التي اتخذت موقفا مغايرا تقف اليوم  أمام معطيات جديدة تزيد من حالة التعقيد وتبعث على الحيرة، فبالرغم من كل ما  تحظى به الحقوق الفلسطينية من تأييد والمواقف المعلنة لأكثر من ثلاثة أرباع الأعضاء في الأمم المتحدة ووجود قائمة من القرارات المؤيدة والداعمة لمطالبة الفلسطينيين بحقهم في إقامة دولة على حدود الرابع من حزيران وانخراطهم في عملية تفاوضية للوصول إلى هذا الحلم، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام واقع جديد يملي عليهم المراجعة الشاملة وتقييم الأوضاع وبناء استراتيجية جديدة تعرف الخيارات وأسلوب العمل على تنفيذ ما يتم تبنيه منها.
  التعثر الذي منيت به المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية التي استمرت لأكثر من ربع قرن وضعف اهتمام القيادات العربية الجديدة بالقضية الفلسطينية والاستعداد الواضح للتخلي عن المواقف السابقة للكثير من الأنظمة العربية حيال الاحتلال الاسرائيلي عوامل أساسية في  انكشاف الجانب الفلسطيني وإضعافه أمام الضغوط الاميركية لقبول  مقترحات لا تلبي طموحات الشعب الفلسطيني .
في الداخل الفلسطيني شكل الانقسام الواضح بين حركة المقاومة الاسلامية "حماس" ومنظمة التحرير الفلسطينية ذريعة لتملص الإسرائيليين من تنفيذ الكثير من الاستحقاقات  بحجة عدم وجود شريك موثوق  وعدم التزام الفلسطينيين بالقواعد والمنطلقات الأساسية للتفاوض  مستشهدين بميثاق حركة المقاومة الفلسطينية.
خلال الأسبوع الماضي نظم مركز القدس للدراسات السياسية  مائدة مستديرة ليومين بمشاركة شخصيات فكرية وسياسة وأكاديمية فلسطينية وأردنية للإجابة عن أسئلة تتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية في ظل المتغيرات الاقليمية والعربية والدولية والداخلية.
 في الحوار  العميق حول الواقع  والتحديات والخيارات ظهر الكثير من القضايا المهمة والتي يصعب تجاهل أهميتها في أي عملية تقييم للأوضاع.
 من الواضح أن إسرائيل غير مستعدة ولا راغبة في التخلي عن الأراضي التي احتلتها العام 1967 وهي ترغب في ضم الأراضي بلا شعب إن استطاعت.  وعليه فإن أقصى ما يمكن أن تقدمه إسرائيل في أي عملية تفاوضية وتحت وابل من الضغوط العالمية لا ولن يتعدى كيانا لا يرقى الى مستوى الدولة المستقلة التي يحلم بها الفلسطينيون.
 الاميركيون والكثير من الأنظمة العربية فقدت الحماس الذي كان موجودا لدى الآباء والقادة الاوائل لتحرير فلسطين ومفاهيم الأمة والوحدة وغيرها من الشعارات الرومانسية التي  راجت في أعقاب حركات التحرر والاستقلال في القرن الماضي.
على صعيد الداخل الفلسطيني هناك تغيرات جوهرية تتسم بالواقعية السياسية والانفكاك النسبي من التبعية للتنظيمات لحساب التعاطي البراجماتي مع الهياكل البيروقراطية باعتبارها معنية بتوفير الخدمات وسبل الحياة.   وعلى صعيد التنظيمات والفصائل فلا فروق جوهرية في الخطاب بين الفصائل في القضايا الرئيسية  وغالبا ما تعكس الخلافات الداخلية وجهات نظر الممولين والداعمين أكثر مما تعبر عن تباين في مواقف الأعضاء أنفسهم.
 في ضوء ضعف تأثير السلطة  والتنظيمات  انتعشت البنى العشائرية وأصبحت الأكثر قدرة على التأثير والإدارة للشأن الاجتماعي وغير الاجتماعي في بعض الأحيان الأمر الذي يشير إلى تنامي الهويات الفرعية إلى جانب الهوية الجامعة.
الفلسطينيون اليوم أمام تحديات كبرى قد تحتاج إلى أفكار وطروحات  أكثر ديناميكية واستثمارا لعناصر القوة التي تمتلكها القضية ويعكسها الواقع فالعامل الديمغرافي  مهم للغاية خصوصا إذا ما علمنا أن  النمو السكاني  للفلسطينيين قد يجعل منهم أكثرية في أقل من خمس سنوات. ولا ينبغي استبعاد فكرة الحقوق المتساوية  والعودة إلى النضال الذي يجعل الاحتلال مكلفا كما كان في غزة.

التعليق