في العالم الديمقراطي لا يوجد قانون "ولاء في الثقافة"

تم نشره في الخميس 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً

هآرتس

عدنا هارئيل فيشر  7/11/2018

بني تسيفر في مقاله "حرية الفن ليست فوق كل شيء" (هآرتس، 4/11)، ورامي كمحي في مقاله "هكذا يعمل النظام، كل نظام" (هآرتس، 30/10)، ارادا تبرير مشروع القرار المسمى "ولاء في الثقافة". وحسب هذا المشروع تعطى للوزير المسؤول عن الثقافة صلاحيات للرقابة على الثقافة، التي تقيد التمويل العام لمؤسسات ثقافية حسب مضمون نشاط الثقافة، من خلال استخدام اعتباراته، الذي كما يبدو يهدف إلى الدفاع عن قيم الدولة وشرف رموزها.
تسيفر وكمحي يريدان تبرير هذا استنادا إلى دول اخرى و"نماذج" متبعة في العالم. اجل، يمكننا أن نجد في التاريخ امثلة غير مشجعة لسياسات وانظمة اتبعت ذلك، ولكن ليس لهؤلاء يتوجه تسيفر وكمحي من اجل المقارنة والتبرير. إنهما يريدان توجيهنا لدول وانظمة غربية، اوروبية، ديمقراطية، من خلال اظهار عدم فهم للطرق المتبعة في تلك الدول.
على سبيل المثال، خلافا لادعاء تسيفر، ليس هناك في القانون الفرنسي نظام مشابه لذلك المقترح في إسرائيل الآن. القانون الفرنسي من العام 2010 ينص على اعتبار اهانة العلم والشعار كمخالفة جنائية. أيضا دول اخرى تعتبر أن اهانة العلم هي مخالفة جنائية، وعدد من الدول يعتبر أن اهانة علم دولة اخرى هو مخالفة جنائية. مخالفة مشابهة منصوص عليها في القانون الإسرائيلي من العام 1949 وعقوبتها شددت في 2016. بين هذه وبين مشروع قانون "ولاء في الثقافة" توجد فجوة كبيرة: القانون الفرنسي لا يعطي الصلاحية للوزير أو أي جهة ادارية اخرى لفحص نشاطات ثقافية وتقليص ميزانيات مؤسسات ثقافية اذا وجد أنها قامت باهانة العلم.
مثلما في دول اخرى، أيضا في إسرائيل حرية التعبير، وضمن ذلك حرية التعبير الفني، ليست مطلقة. القانون الجنائي يحدد انظمة لتقييد حرية التعبير، عندما استخدامها يمكنه تهديد أمن الدولة وأمن مواطنيها وقيمها ومصالحها الرئيسية: كشف أسرار رسمية، التحريض على الارهاب، تصريحات عنصرية، منشورات حاقدة، تحرشات جنسية، التشهير أو المس بالخصوصية.
هناك اهمية اساسية لحرية التعبير، وحرية التعبير الفنية بشكل عام، والاستخدام الذاتي للفرد وكذلك للخطاب الاجتماعي المفتوح، والبحث عن الحقيقة، وانتقاد السلطات، ووجود ديمقراطية حقيقية. هذه تقتضي أن تقييد حرية التعبير يجب أن يكون حذرا ومحسوبا، ويستخدم من قبل المسؤولين عن ذلك، وليس من قبل الذين من شأنهم أن يسكتوا التعبير بسبب مصالح اخرى.
سيسعى من يقومون بالتشهير بالعلم أو يحرضون على الارهاب عن طريق الابداع الفني إلى التحقيق في الشرطة والحسم من جهات انفاذ القانون، كجهات مهنية، فيما اذا كان يجب تقديم المبدع للمحاكمة أو مؤسسة ثقافية، والمحكمة تقوم بفحص الادانة حسب الدلائل التي امامها، وانظمة واجراءات القانون الجنائي.
من المهم التذكير أن "الأسس" المتضمنة في مشروع قانون تخلط بين تلك التي هي اصلا مغطاة من قبل القضاء الجنائي، في إسرائيل وفي دول كثيرة اخرى، وبين أسس ليست هكذا – الانشغال بـ "النكبة" و"نفي وجود الدولة كدولة يهودية". الأسس الاخرى التي تتعامل مع نشاطات مسموحة أكثر ضبابية، وتسمح لكل وزير بالمس بتمويل الفن الذي لا يروق له بالمعنى السياسي: قضايا الدين والدولة، "عروض التعري"، اهتمام تاريخي بإقامة الدولة أو بمكانة مواطني إسرائيل العرب، يمكن أن تعتبر ضمن هذا التفسير أو ذاك كمس بالدولة بصفتها "دولة يهودية وديمقراطية".
كذلك التمييز الذي يعرضه كمحي بين طرق تمويل الثقافة الأميركية والأوروبية تخالف الواقع. ليس صحيحا أن الطريقة الأميركية لا تدعم الفن بشكل عام وتقدمه فقط لمستهلكيه. الطريقة الأميركية تضمن تمويل عام للثقافة على مستويين، منفصلان عن تدخل جهات سياسية في المضامين. المستوى الاول، بواسطة تسهيلات ضريبية للمتبرعين دون فحص مضمون النشاط الثقافي الذي يتبرعون له. والثاني، بواسطة صندوق فيدرالي للثقافة. ولهذا يضاف ميزانيات عامة، مجالس وصناديق ثقافية في الولايات المختلفة. اساس دور هذه الجهات هو مساعدة ثقافة الهوامش، الجغرافية والاجتماعية، ثقافة الهامش أو نشاطات ثقافية وابداعات اخرى ليست مكشوفة بما يكفي للمتبرعين.
الهدف المقبول في الولايات المتحدة بخصوص الصندوق الوطني هو ضمان نشاط بعيد وبشكل منفصل عن النظام من خلال اتخاذ قرارات فنية غير متعلقة بجوهر الإبداع. أمر استثنائي يدل على القاعدة هو الخلاف العام الكبير في مسألة المس بحرية التعبير في التسعينيات من القرن العشرين بسبب تقييد تمويل ابداعات آثمة، رغم أن التفسير اعطي للصندوق الوطني وليس للوزير.
النموذج الأوروبي، الذي يسير النموذج الإسرائيلي في اعقابه، والذي بحسبه الدولة تؤيد الثقافة بصورة مباشرة، يمنح اهمية حقيقية للابتعاد عن الحكومة، سواء بواسطة مجالس ثقافية مستقلة تقوم بتوزيع الميزانيات مثلما في بريطانيا؛ صناديق أو مجالس اقليمية تشرك الفنانين والجمهور مثلما في النموذج الاسكندنافي أو نماذج اخرى مثل النموذج البلجيكي الذي في اطاره يلزم القانون الوزير بالعمل حسب توصيات الجسم الجماهيري الاستشاري، وفقط لتبريرات خاصة يمكنه الانحراف عنها.
بدلا من التصفيق لوزيرة الثقافة كما تقترح تسيفر من الافضل النظر للواقع بقلق ووقف القانون السيء هذا قبل أن خطو خطوة كبيرة لنكون ديمقراطية غير ليبرالية تشجع فقط الفن "من قبل" أو من اجل ارضاء السلطة.

التعليق