ماذا على اليسار فعله ليحظى بثقة الجمهور؟

تم نشره في الخميس 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً

هآرتس

تسفيا غرينفيلد  7/11/2018

بعد مرور نصف سنة على انتخاب اسحق رابين لرئاسة الحكومة في إسرائيل في العام 1992، صعد بيل كلينتون والحزب الديمقراطي إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة. هذان النظامان اليساريان عبرا في سياستهما عن اندلاع الآمال في تلك السنين في الساحة الدولية: في 9 تشرين الثاني 1989 سقط جدار برلين، وفي كانون الاول 1991 استسلم الاتحاد السوفييتي للقوة الاقتصادية والايديولوجية للولايات المتحدة وكف عن الوجود.
في العام 1994 انتخب طوني بلير الشاب رئيسا لحزب العمال في بريطانيا، وبعد ذلك مكث عشر سنوات كرئيس لحكومة بريطانيا. الشعور الذي ساد في بداية التسعينيات كان النشوة الدولية العامة لليسار. ليس من الغريب أنهم في إسرائيل أيضا، بمن فيهم رابين المتشكك، استجابوا لهذا الشعور القوي للعالم الجديد والحيوي الذي يفضل السلام على الحرب.
مقال مثير بعنوان "نهاية التاريخ" الذي نشر في 1989 لفرنسيس اوكوياما، عبر أكثر من أي شيء آخر عن روح العصر. وقد كتب في المقال بأن الديمقراطية الليبرالية تجسد قمة الثقافة الغربية، ويجب أن لا يخطر بالبال فيما بعد ايديولوجيا أو طريقة حكم متطورة واكثر عدالة منها. العالم استعد لعهد جميعه خير. وفي هذا الواقع بدأت تتبلور اتفاقات اوسلو.
من كل هذه الاحداث لم يبق الكثير، لكن الشرخ الفوري والاخطر في اجواء التفاؤل تلك التي سادت، وبالطبع في إسرائيل، عندما قتل رابين على ايدي من نفذ الرغبة القاتلة لحاخامات وزعماء اليمين المتطرف. في اعقاب عملية القتل صعد إلى الحكم نفس ذاك اليمين المتطرف الذي حرض بشكل هستيري ضد رئيس الحكومة المنتخب. واليوم برئاسة بنيامين نتنياهو يقود اليمين إسرائيل إلى دمار الحلم الصهيوني.
عندما ننظر إلى ما جرى، ليس بالامكان أن لا نتساءل عن الانقلاب السياسي والايديولوجي الذي حدث تقريبا في كل العالم: من تفاؤل ليبرالي ويساري قبل ثلاثين سنة، إلى ترامب ويمين يزداد قوة تقريبا في كل مكان اليوم. الشعور السائد هو أن اليسار خيب الآمال، ولأن ظروف المعيشة في الغرب تحسنت جدا على مدى السنين، فإن السؤال الطبيعي هو لماذا الشعوب غاضبة جدا من اليسار؟
الاجابة الأولى هل توجد ربما في الهجومين الفكريين الهامين اللذين تجندا على الفور ضد استنتاجات "نهاية التاريخ"؟ صموئيل هنغتنغتون ادعى في "صدام الحضارات" أن نمط الحياة الغربي يهدده خطر التصفية من جانب ثقافات غير غربية، ومفكر اليسار الاساسي ما بعد الحداثة، جاك دريدا ادعى أن الديمقراطية الليبرالية الغربية ليست انجاز بل خدعة.
إن الربط القاتل بين الخوف المتزايد من تهديد ثقافي على شكل هجرة وإرهاب من الخارج وبين التحريض الايديولوجي من الداخل حول شرعية إنجازات الغرب أدى بالتدريج إلى رد تدريجي شديد ضد سياسة التسليم والاحتواء لليسار. ولن يكون بالإمكان التغلب على الموجة الجماهيرية للتخلي عن اليسار دون مواجهة مسبقة مع هاتين العقبتين الكبيرتين.
من اجل التغلب على المشكلة يجب قبل كل شيء التعامل بجدية واحترام مع الشعوب الخائفة – سواء من تهديد الهجرة الذي يلوح به اليمين أو من الاتهام الذاتي ضد نظام الحياة الرأسمالي الغربي، الذي جاء من اليسار. هذان الأمران فعليا يتحدان.
حملة الاتهام الذاتي تهدد البراءة والشرعية للشعوب في الغرب الذين يريدون العيش بهدوء. ويدفعهم ليس فقط إلى معارضة اللاجئين بقوة، بل أيضا نحو كراهية شديدة لليسار. من اجل أن يحظى مرة اخرى بثقة الجمهور يجب على اليسار التوقف عن خطاب الاتهام ضد الغرب الابيض (وإسرائيل) الذي بحسبه هو المسؤول عن الظلم الكولونيالي المستمر الذي وقع على مجتمعات غير غربية، واعطاء مصادقة مجددة للشرعيات الغربية (واليهودية).

التعليق