"ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين"

تم نشره في الجمعة 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:08 صباحاً

 د. محمد المجالي

عطفا على مقال الأسبوع الماضي، حيث التركيز على ما يجمع الأمة ولا يفرقها، وأظن هذه أولوية عند الدعاة والعلماء والمفكرين، كل في مجاله، فهناك أصوات دأبها هو الفرقة، باسم العلم واتباع الحق والفرقة الناجية، يجادلون في أدق التفاصيل مع العامة الذين لا يعنيهم إلا الالتزام العام بهذا الدين لينجوا، ولكن أبت طائفة ممن يسمون أنفسهم علماء ومفكرين، ويعظمهم تلاميذهم –للأسف- لينفخوا فيهم صفات مثل (العلامة)، وهمّهم تشتيت الغالبية عن أولوياتها في النهضة والتغيير العام على صعيد النفس والمجتمع والأمة، بالتركيز على خلافات كانت وما زالت وستبقى، في مسائل فرعية عقدية ومذهبية، وكأن الإسلام محصور في مفهوم السلف والخلف، أو في قضايا مرتبطة بآيات مخصوصة عن الله تعالى، حول الجهة والحد وآيات الصفات، لينشغل (العوام) بمثل هذه الأمور على حساب التزامهم بالدين عملا وعبادة وأخلاقا.
لقد استحل بعضنا حرمات بعض، الأموات قبل الأحياء، وهذا شيء شنيع غريب لا نريده لمساجدنا ولا جامعاتنا، فالذي يعذر ويحترم الآخرين هو العالِم الحق، ومن يتعصب ويجرّح الآخرين هو الجاهل الأحمق، ولو نفخه أتباعه بأوصاف العلم والفكر، ولقد شاهدت مقاطع لمحاضرات يتحدث فيها هؤلاء الذين زعموا أنهم علماء، يجرّحون علماء آخرين، ويسبونهم، ويجرئون الآخرين على هذا المسلك العجيب، الذي يورث عداوة وبغضاء، باسم الانتصار للحق والصواب، ونسي هؤلاء أن الحق والاستهزاء بالآخرين لا يجتمعان أبدا.
أن يأتي تفريق الأمة من أعداء معروفين أمر ممكن معقول، أما أن تفرّق بأيدي أبنائها ومفكريها وعلمائها فهذا هو الشر المستطير، فالله تعالى في هذه الآية (عنوان المقال) ذكر ثلاثية ينبغي التعمق في النظر إليها، حيث الدعوة والعمل الصالح والالتزام العام بهذا الدين والافتخار بالانتساب إليه.
في هذا الاستفهام يبين الله تعالى أن لا أحد أحسن ممن دعا إليه، وعمل صالحا، وقال إنني من المسلمين، هكذا هي: عموميات وراءها الالتزام والانقياد والولاء الخالص لهذا الدين، وبدأت الآية بصفة الدعوة إلى الله، لا إلى أفكار خاصة، ومجموعات خاصة، ومذاهب خاصة، دعوة تعدت هنا بـ (إلى)، لأن غايتها الوصول إلى الله تعالى، إلى رضاه وكل ما يقرب العبد منه، حيث العبادة والمراقبة والحب والرضوان واليقين به سبحانه، هذا الذي ينبغي أن يسيطر على فكر الدعاة، والعلماء كذلك من باب أولى. ولا يكون أحدنا داعية إلا إذا تفاعل مع دينه، واستشعر المسؤولية، فهو ليس مجرد منتسب لهذا الدين، بل صاحب أثر والتزام، وشتان بين المنتسب والملتزم.
أما الشيء الثاني فهو العمل الصالح، وهو أمر بدهي منصوص عليه في آيات كثيرة، وعادة يتبع لفظ الإيمان (آمنوا وعملوا الصالحات) للدلالة على أن الإيمان تصديق وقول وعمل، فلا إيمان بلا عمل، بل دليل صدق الإيمان هو العمل الصالح، ونلحظ في الآية التعميم بإيراد (صالحا)نكرة (عمل صالحا) ليعم العمل كل أنواع الخير، سواء كان من العبادات بمفهومها الخاص والعام، أم مطلق ما فيه نفع للنفس والمجتمع والأمة، بل الإنسانية، التي تتوقع من المؤمنين سلوكا يعكس حقيقة إيمانهم، ليكون العمل الصالح بحد ذاته دعوة، نعم، دعوة صامتة لا كلام فيها، فأعظم الدعوة ما كان بالقدوة، فكثيرون دخلوا في الإسلام من خلال ملاحظة سلوك المسلمين الإيجابي، فينعكس هذا ليكون أثرا طيبا على المتابع، فيحمله على الدخول في الإسلام، كما حصل في جنوب شرق آسيا، وأماكن غيرها.
وقوله تعالى (وقال إنني من المسلمين) فلا أظن الأمر سيقف عند مجرد القول، بل في طياته ما يدعو إلى الالتزام والاعتزاز بكونه مسلما، سواء بالمعنى العام لكلمة (الإسلام) حيث الانقياد والاستسلام لله تعالى في أمره ونهيه، أو بالمعنى الخاص حيث دين الإسلام الموحى به إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ويتذكر المؤمن هنا قوله تعالى عن هذا الدين: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون، اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا"، وجاء هذا النص في سورة تحدثت بالتفصيل عن الإسلام واليهودية والنصرانية.
إن هذه الجملة (وقال إنني من المسلمين) تحمل في ثناياها ما ينبغي أن يكون عليه جمهور المسلمين، وما ينبغي أن يسيطر على ثقافة الدعاة والعلماء، حيث تجميع الناس لا تفريقهم، ودعم كل ما يوصل إلى جمع كلمة المسلمين، لا بتفريقهم، ومرة أخرى فالخلاف أمر طبيعي فطري، وصدق الله: "ولا يزالون مختلفين"، فجمع الناس على مذهب واحد، وفكرة واحدة، وجماعة واحدة، ورأي واحد، لهو أمر مستحيل، فهل الحل في تفريق الأمة بحجة الرأي الحق والمنهج الحق!؟ مع أن الحق قد يكون متعددا، قصدا من الشارع سبحانه، كما بينت ذلك في المقال السابق، إذ شاء الله تعالى للناس أن يختلفوا في قراءة القرآن الكريم، فمن باب أولى أن نختلف في أمور أخرى، ما دامت محتملة ممكنة، بل لله حكمة في وجودها، تنويعا للمعنى والفهم، وتخفيفا على العباد.
أدعو كل من يتصدر لتوجيه الناس دينيا، خطيبا كان أم مدرسا أم محاضرا أم كاتبا، أن يسيطر على كيانه كيف يجمع الناس لا كيف نفرقهم، وكيف يحترم بعضنا بعضا ونعظم حرمات المسلمين، بل البشر، فكيف يكون داعية علّامة وفي الوقت نفسه يقدح هذا ويلمز بذاك، يخطّئ هذا ويرميه بالجهل، ويمدح ذاك ويرفعه إلى درجة التنزيه والكمال، مع أن الجميع يخطئ ويصيب، وكلنا بشر، وما يجمعنا أكثر مما يفرقنا، فلنتق الله في الكلمة ننطقها أو نكتبها، فالملائكة تستنسخ ما نعمل، وما نكتبه فهو مقيَّد، وكله مسجَّل في صحيفتي، فليعتن أحدنا بما يسره أن يراه في صحيفته يوم القيامة.

التعليق