الآن أعرف ما الذي يعنيه العيش في جمهورية موز

تم نشره في الأربعاء 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • متظاهرون خارج قاعة محكمة ميتشيغان، لدى عقد جلسة حول تغيير خرائط الاقتراع في الولاية – (أرشيفية)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كريستيان كاريل* - (الواشنطن بوست) 9/11/2018

الآن، أصبحت أعرف ما الذي يشعر به المرء لدى العيش في جمهورية موز.
في السنوات العشرين التي أمضيتها في العمل كمراسل أجنبي، قمت بتغطية الكثير من الانتخابات في الكثير من الدول. بعضها كانت ديمقراطيات راسخة. وكان بعضها من القادمين الجدد إلى عالم الانتخابات، وقد خرجت حديثاً من عباءة الديكتاتورية. ومع ذلك، كان البعض الآخر فوضوياً، من ذلك النوع الذين يراوح في منطقة "البَين بَين" من الأماكن، وقد تآكلت مؤسساتها بسبب الفقر أو الصراع أو الانقسامات السياسية العميقة.
تضمنت تغطية تلك القصص باستمرار التحدث مع مراقبي الانتخابات الدوليين، والذين عادة ما كانوا أشخاصاً من أماكن مثل فرنسا أو أستراليا أو كندا. وكما تعرفون، فإن تلك الدول -خاصة الولايات المتحدة- زعمت دائماً أنها تتحدث من موقع السلطة التي جاءت بالخبرة الطويلة مع المؤسسات الديمقراطية. وكانت مهمة المراقبين الدوليين هي مراقبة العملية الانتخابية، وتقديم تقييم موضوعي لكيفية سير الانتخابات المعنية. وفي الوضع المثالي، سوف يقدمون أيضاً بعض النصائح المفيدة حول ما يمكن تحسينه. وفي بعض الأحيان كانت أحكامهم مشوبة بالدبلوماسية أو النفعية السياسية، لكن المراقبين قدموا، في أكثر الأحيان، انتقادات مفيدة.
يوم الأربعاء الماضي، استمعت إلى ما كان يقوله المراقبون حول الانتخابات التي أجريت في بلدي. ولم يكن ما قالوه جميلاً.
ربما لا يعرف معظم الأميركيين أن مراقبين دوليين عادة ما يحضرون الانتخابات الأميركية. ويبدو أن بعض أبناء وطني ينظرون إلى هذا على أنه تدخّل وقح في شؤوننا الداخلية -حيث تحظر 12 ولاية على الأقل، بشكل مباشر أو غير مباشر، على أي مراقبين خارجيين حضور التصويت فيها. (يتساءل المرء عما هو الذي يخافون منه إلى هذا الحد).
يأتي هؤلاء المراقبون بشكل خاص من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وهي مجموعة تم إطلاقها خلال حقبة الحرب الباردة، كمحطة للحوار تم تصميمها للحد من النزاعات بين الشرق والغرب. واليوم، هناك 57 بلداً أعضاء في المنظمة، والتي أسهمت 33 منها بخبراء في بعثة المراقبة. وتم نشر مائة وستة وثلاثين مراقباً في يوم الانتخابات. وكانت الولايات المتحدة، كعضو في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، قد وقعت على نفس الالتزامات التي وقعت عليها البلدان الأخرى، بما في ذلك المعايير المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية. ولمَ لا؟ من كان ليظن أبداً أننا يمكن أن نتخلف؟
في اليوم التالي لانتخابات نصف المدة، وجدت نفسي في قاعة مؤتمرات في أحد فنادق واشنطن، أستمع إلى الحكم الذي أصدره رؤساء بعثة المراقبة الدولية (واحد إيطالي، وآخر برتغالي، وواحد من جمهورية جورجيا). وكان لديهم الكثير ليقولوه.
بدؤوا بالتعبير عن احترامهم، ووصفوا انتخابات منتصف المدة بأنها كانت "تنافسية للغاية" واستشهدوا ببعض الجوانب الإيجابية لعمليتنا الديمقراطية. وكان ذلك إلى حد كبير ما توقعت منهم أن يقولوه. كانت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي أتذكرها من الأيام التي عشتها في أوروبا خبيرة في مراعاة التفاصيل الدبلوماسية الدقيقة.
ثم، بعد ذلك، أصبحت الأمور حقيقية. من دون ذكر الأسماء، أشار المراقبون إلى التأثيرات الوخيمة المترتبة على تقسيم المناطق الانتخابية وإعادة تقسيم الدوائر بين الحزبين، والتي تميل بساحة اللعب لصالح الأحزاب التي في السلطة. وحذروا من مسؤولي انتخابات لم يتم الكشف عن أسمائهم، والذين شاركوا في الحملة الانتخابية نفسها التي كان من المفترض أن يشرفوا عليها. (هنا ينظرون إليكِ، يا جورجيا). ثم انتقدوا قواعد تمويل الحملات الانتخابية على افتقارها إلى "الشفافية الكاملة" -وهي طريقة لطيفة للغاية لوصف المسألة، كما يمكنني أن أقول. لكنني أعتقد أنكم تفهمون الفكرة.
دعت تانا دي زولويتا، التي مثلت مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، "القادة السياسيين من جميع الأطراف إلى التحدث علناً ضد معاداة السامية وجميع أشكال التعصب والتمييز". وأعربت عن حزنها ورعبها من الهجوم الذي شُن على الكنيس في بيتسبرغ خلال الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية، وانتقدت التهديدات ضد الصحفيين، مشيرة إلى "الدور الأساسي الذي يلعبه الإعلام في مجتمع ديمقراطي، وهو أن يكون قادراً على إعطاء جميع الناخبين صورة متوازنة للأحداث والمقترحات السياسية التي تُطرح". ولم أستطع سوى أن أتساءل عما إذا كنت سأسمع الرئيس ترامب وهو يدلي في أي وقت ببيان كهذا.
ثم رحبت إيزابيل سانتوس، رئيسة وفد الجمعية البرلمانية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، "بالتقدم الذي تم إحرازه في بعض الولايات لتسهيل تسجيل الناخبين وإعادة حقوق التصويت للمواطنين. لكننا لا نستطيع تجاهل حقيقة أن ملايين الأميركيين ما يزالون محرومين من حقوقهم فعلياً". وحثت سانتوس الولايات المتحدة على بذل الجهود "للتغلب على هذه التحديات القائمة منذ وقت طويل والتصدي للتحديات الجديدة، مثل تأمين البنية التحتية الانتخابية بشكل فعال".
رائع. هذا هو الشيء الذي ربما كنتُ لأسمعه في مؤتمر صحفي مشابه في جمهورية سوفياتية سابقة في منتصف التسعينيات. لكنه صحيح، كما هو حاله. مباشرة قبل عقد انتخابات منتصف المدة، قامت لجنة المساعدة الانتخابية الأميركية بسرعة بتوزيع 380 مليون دولار على جميع الولايات الخمسين في محاولة يائسة لمساعدتها على التحرك بالسرعة المطلوبة ومعرفة آخر التفاصيل لتحسين أمن الانتخابات.
وبالنسبة لتلك النقطة حول الحرمان من الحقوق؟ يقدر الخبراء أن نحو 50 مليون أميركي -أي ربع عدد المؤهلين نظرياً للتصويت- ما يزالون غير مسجلين. وهذا رقم مذهل. هل ما يزال لدينا الحق في أن نسمي أنفسنا ديمقراطية عندما يكون العديد من الناخبين المحتملين لدينا ليسوا في وضع مناسب ليمارسوا حقوقهم؟
أعتقد أننا يمكن أن نضع اللوم في كل شيء على الأوروبيين، الذين نحب كثيراً أن نسخر منهم. إنني أفهم الأمر. من المؤلم دائماً أن يشير شخص آخر إلى أنك لا ترقى إلى مستوى المعايير التي تدعي بفخر كبير أنك تمثلها. كنا نعلم مسبقاً أن الديمقراطية الأميركية في وضع سيء؛ والآن، ثمة عيون خارجية تؤكد لنا ذلك. وسوف نفعل حسناً إذا ما أخذنا هذا التحذير على محمل الجد.

*هو محرر في قسم الرأي في صحيفة "الواشنطن بوست".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Now I know what it feels like to live in a banana republic

[email protected]

التعليق