تصعيد التسوية

تم نشره في الأربعاء 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • اثار العدوان الاسرائيلي على غزة-(وفا)

هآرتس

تسفي بارئيل  13/11/2018

الرواية المتفق عليها للجولة الحالية، هي أن عملية الجيش في قطاع غزة تشوشت عندما اصطدمت بقوة فلسطينية، ومن أجل انقاذ القوة كانت حاجة لاستخدام عملية جوية كثيفة تمكن من انقاذ الجنود. عن سؤال إذا كان هناك حاجة لتلك العملية السرية، قال المتحدث بلسان الجيش إن "العملية كانت في عمق القطاع، وهي نهاية طرف نشاطات يتم تنفيذها بصورة مستمرة، وهدفها تحقيق التفوق والقدرات الإسرائيلية كما هي موجودة الآن".
صحيح أن تفاصيل العملية محظور نشرها، لكن من المسموح التساؤل حول ما الذي كان مستعجلا بهذا القدر لتنفيذ عملية كهذه، بالتحديد في الوقت الذي كانت إسرائيل وحماس ومصر وقطر يقفون على شفا التوصل إلى اتفاق بشأن تسوية تستهدف منع التدهور الذي حدث في اعقاب عملية الجيش.
هل افتراض من خططوا العملية الذين حصلوا حسب المتحدث بلسان الجيش على موافقة المستوى السياسي، كان أن النجاح مضمون ولذلك لم تكن مشكلة في تنفيذ العملية، وكما يبدو ليست هي المرة الأولى؟ يجدر السؤال على ماذا استند هذا الافتراض. هل يجب أن نقبل دون شك التفسير الذي يقول إن الأمر لا يتعلق بعملية تصفية محددة، بل بـ "عملية عادية"؟ هل ربما استجاب المستوى الذي يصادق على العمليات إلى طلب الوزير جلعاد اردان الذي يشجع فكرة التصفيات المركزة؟
ازاء التطورات الخطيرة على حدود غزة، هل علينا احتلال غزة أم فقط ايلامها، ليس لأن القصف المركز سيجعل حماس تنهار، بل من اجل اقناع الجمهور الإسرائيلي بأن قدرة ردع إسرائيل لم تتضرر. إلا أن الردع تحول في الايام الاخيرة إلى مفهوم نظري ازاء إطلاق الصواريخ والقذائف الكثيف الذي قامت به حماس تجاه إسرائيل. المنطق السليم يقول إن تنظيم مرتدع كان سيكتفي بانتقام محلي على قتل ستة اشخاص من عناصره، ولن يحاول استعراض قوة هجوم واسع من شأنها المس بالانجاز السياسي والاقتصادي الهام الذي حققه، المساعدة القطرية التي بدأت تتدفق نحو القطاع.
ولكن مثل إسرائيل، يوجد لحماس أيضا حسابات سياسية معقدة تجبرها على الحفاظ على مكانتها في ميزان الردع امام إسرائيل. وعلى الأقل تآكل حصرية الردع التي تلوح بها إسرائيل. حماس غير مطلوب منها توقع ماذا سيكون رد إسرائيل على إطلاق الصواريخ. هي تعرفه جيدا وهي تستطيع الاعتماد عليه دون شك. الآن هي تسمح له بتوحيد الصفوف، وأن تجند إلى جانبها الجهاد الإسلامي ولجان المقاومة الشعبية ويهاجمانها بسبب تنازلها لإسرائيل، حتى لو كانا مستعدين للذهاب في تسوية معها.
ومن اجل استعراض زعامتها بأنها فقط هي التي تحدد ما هو الرد المبرر وما هو الإطلاق غير المناسب، مثل إطلاق الصواريخ الاخير للجهاد الإسلامي في شهر تشرين الأول. الاساس المهم في استراتيجيتها العسكرية يقول إن إسرائيل تكون ملزمة دائما بأخذ رد حماس في الحسبان، حيث أن الهجمات الإسرائيلية على غزة لم تمنح سكان غلاف غزة الهدوء الذي من شأن هذه الهجمات أن تحققه.
في إسرائيل وفي غزة يفهمون جيدا قواعد لعبة ميزان الردع المتبادل. ومن الواضح لهما أن نهاية المواجهة الحالية هي الجلوس على طاولة المفاوضات، التي فيها مصر ومبعوث الأمم المتحدة وقطر وإسرائيل وحماس سيعودون إلى مخطط التسوية الذي بدأوا في نقاشه، لأن هناك الكثير لدى الطرفين مرتبط به. حماس ستستكمل بواسطة التسوية التحرر من الاعتماد الاقتصادي على السلطة الفلسطينية، وهذا سيحسن وضع غزة الاقتصادي، وبالتالي، القوة السياسية الداخلية لحماس. وسيعزز مكانتها كجسم سيادي معترف به، سواء من قبل إسرائيل التي تعتبرها جهة مسؤولة من كل النواحي، أو من قبل مصر التي فقط قبل ثلاث سنوات كانت تعتبرها منظمة ارهابية تهدد أمنها.
كل ذلك بدون الاضطرار إلى التنازل عن ايديولوجيتها الوطنية- الدينية، ودون الالتزام بعملية سياسية أو الخضوع لشرط محمود عباس الاساسي الذي يطالب بنزع سلاحها ونقله إلى قوات الأمن الفلسطينية. كذلك هي لن تضطر إلى التنازل عن جهاز جباية الضرائب وجهاز القضاء الذي انشأته في القطاع.
من ناحية حكومة إسرائيل، الانقسام بين حماس وفتح يضمن استمرار الجمود السياسي، واستمرار صلاحية الادعاء الذي يقول إن محمود عباس لا يمثل كل الفلسطينيين. لذلك، حتى لو وافق على استئناف المفاوضات فهو لن يعتبر الممثل الحصري طالما أنه لم ينجح في اخضاع حماس. على المستوى العملي، حماس توفر على إسرائيل الحاجة إلى ادارة القطاع مباشرة، كما كان سيكون مطلوبا منها أن تعمل لو أنها احتلته مرة اخرى، وهو أسهل التنظيمات العاملة في القطاع من اجل أن تنشئ أمامها ميزان ردع يستند إلى مصالح حقيقية دون أن تدفع ثمن سياسي مقابل ذلك.
المشكلة هي أن أرجل التسوية مربوطة بحبال إسرائيل السياسية التي لديها حساباتها الخاصة، حيث أن السياسة تجاه غزة تحولت إلى امتحان للوطنية التي تشرك أيضا الجيش، الذي يجب عليه تنفيذ القدرة العسكرية. النتيجة هي أن فترة المواجهة الحالية وحجمها وتحقيق الهدوء الذي سيعقبها، ستتقرر ليس حسب الضرر الذي يسببه القصف في غزة، بل حسب الهدوء الذي سيتحقق بين بينيت وليبرمان. صوت المنطق يسمع الآن بالتحديد من فم رئيس الحكومة، الذي اوضح بأنه لا يرى أي فائدة في حرب إضافية ضد غزة فقط من اجل العودة إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى تسوية أو وقف لإطلاق النار. ولكن الآن سيضطر إلى أن يفحص جيدا ميزان نقاطه أمام هذين الوزيرين أكثر مما هو أمام حماس.

التعليق