دولة مغلفة بغزة

تم نشره في الخميس 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً

هآرتس

تسفي بارئيل

14/11/2018

القاموس الملتوي لفترات الحرب مرة اخرى يبحث عن نفسه. ماذا نسمي ما يجري الآن بين إسرائيل وقطاع غزة. إطلاق نار متبادل؟ مواجهة عنيفة؟ ربما حرب؟ لا، هذه ليست حربا، بصورة مطلقة محظور تسمية هذا الوضع حرب، لأن الحرب هي فشل. فشل الردع، هزيمة سياسة الاغلاق، تنازل عن خيار التسوية، وبالأساس، المعنى هو استسلام نتنياهو لطلبات افيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت.
الحرب تقتضي انتصار، والانتصار يقتضي تحديد أهداف. من الأفضل أن نسمي هذا الأمر الذي تورط فيه الجيش في عملية سرية واضطر إلى القيام بالقصف من اجل انقاذ الجنود، تصعيدا. تصعيد لا يقتضي انتصارا، هو بالاجمال رد على رد، ليس له هدف محدد سوى زيادة الحدة. ليس اسقاط حماس أو احتلال غزة، وليس تدمير البنى التحتية المدنية وقتل آلاف الأشخاص، بل هو بالاجمال استعراض قوة، حيث بعده كالعادة تبدأ الجهود للتسوية. المشكلة هي أنه لم يبق الكثير من الزبائن لاستعراض القوة هذا.
مواطنون إسرائيليون الذين هم محبوسون منذ اربعة أيام في الملاجئ وفي الغرف الآمنة لم يعودوا يتأثرون كثيرا بحقيقة أن الجيش يقوم بقصف غزة. صافرات الانذار تخيفهم أكثر من الهدوء الذي تلقيه عليهم طلعة اخرى من طلعات الطائرات القتالية. حماس لا تحتاج إلى اثبات على قوة الجيش، ولكنها ملزمة بالإثبات لجمهورها أن هناك من يحارب من اجل شرفه.
يبدو أن الانطباع الأشد يمارسه هذا القصف على وزراء الحكومة المنقسمين بين من يؤيدون حربا "لمرة واحدة وإلى الأبد" وبين من سبق ورأوا الكثير جدا من "انتصارات حاسمة". هؤلاء واولئك يعرفون بأنه ليس بالإمكان أن يكون هناك انتصار كامل، لأن انتصارا كهذا معناه اعادة احتلال غزة، الذي من المتوقع أن تجد فيه إسرائيل هزيمة مطلقة، داخل أزقة مليئة بالمسلحين والعبوات الجانبية ونار القناصة ومدنيين قتلى يجندون ضغطا دوليا.
ولم نتحدث بعد عن الجنود الذين سيقتلون ويصابون وعن الاحتجاجات التي ستبدأ في الظهور في اعقاب ذلك في اوساط الجمهور الإسرائيلي. لأنه طالما أن بلدات غلاف غزة تصاب وتعاني، فإن باقي اعضاء الدولة تواصل أداء دورها كالمعتاد، ولكن عندما يقتل الجنود فكل الدولة تتحول إلى غلاف غزة. سنكتفي اذا بمفهوم "تصعيد كبير". هو سيمكن ليبرمان من الإعلان أن حماس ضربت ضربة قاسية، وسيرضي للحظة بينيت، كما أنه سيمكن نتنياهو من العودة بسرور إلى "التسوية"، مع المسؤول الحقيقي في غزة.
"تصعيد كبير" يخلص أيضا الجيش من الشرك السياسي الذي جر اليه مؤخرا. المواجهة بين رئيس الاركان غادي أيزينكوت وبينيت التي جرت في جلسة الكابينيت في تموز الماضي، ما زالت تدوي. بينيت سأل لماذا لا نطلق النار مباشرة على مطلقي البالونات الحارقة وأيزينكوت سأل اذا كان يقترح القاء قنبلة على مطلقي الطائرات الورقية. بينيت رد بالايجاب، وعندها عرض رئيس الاركان تبريرا غريبا: "هذا يخالف موقفي العملي والقيمي". مع رئيس اركان كهذا لا يمكن شن حرب اختيارية. ولكن الآن توجد له يد "تنفيذية" و"قيمية" حرة. لأن تصعيد غاضب امام صواريخ هو مشروع حتى لو جاء بسبب فشل عملياتي. توجد فقط مشكلتين صغيرتين مع التصعيد: هو ليس ثابت ولديه ميل للتحول إلى حرب، لأن مجرد الانحراف اليه يدل على فقدان الردع، كما أنه لا تكون سيطرة عليه فقط من قبل طرف واحد حتى لو كان هذا الطرف يطير بطائرات متقدمة.
هذا التصعيد لم يكن يحتاجه الواقع. هو نتيجة الخوارزمية التي تشغل نظام الردود التلقائية للحكومة. يمكن ويجب وقفه على الفور. يوجد له بديل- التسوية- التي كانت على شفا التوصل اليها قبل بدء الهياج. الجيش كان أحد القوى المحركة القوية لتشكيلها. ويستطيع أيضا أن يحدد للحكومة متى يكفي. هذا لن يكون ضعفا، بل تعبيرا عن المسؤولية.

التعليق