إعادة الهيكلة المؤسّسية: رابعاً الرشاقة تُحتّم الشراكة

تم نشره في الخميس 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً

الدكتور خالد واصف الوزني

في المقالات الثلاثة السابقة انتهينا إلى أنَّ عملية إعادة الهيكلة هي عملية مؤسَّسية متكاملة هدفها الأساس رفع كفاءة الجهاز الحكومي، وحسن استغلال العنصر البشري فيه، وتقديم أفضل الخدمات لدافعي الضرائب، وتحقيق أعلى تنافسية اقتصادية ممكنة.
واتضح أنَّ تقسيم العمل الدولي وفقاً للمقاربات الجديدة في توزيع العمل بين الحكومات والفاعلين الاقتصاديين الآخرين في أيّ اقتصاد يُحتّم أن تُرَكِّزَ الحكومات على جوهر عملها في الأمن، والحماية، والدفاع، والسياسة والسياسات، وأن تترك حلقات الإنتاج الأخرى، سواء أكانت صناعية أم تجارية أم خدمية، للقطاع الخاص المحلي والخارجي، بحيث تحتفظ لنفسها بدور المُشَرِّعِ والمُنَظِّم والمُراقِب.
وهذا بدوره يحقّق أمرين أساسيين؛ الأول: أن تتفرّغ الحكومة لتقديم خدماتها الجوهرية بكفاءة عالية وبرشاقة تسهم في تميزها، والثاني: أن الحكومة ستكون الحَكَم العادل الذي يهمّه أن يقوم الجميع بدوره في خدمة المواطن والمقيم، والتي تعدُّ حمايتهم وأمنهم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي مصدر قوة الحكومة، ومصدر الثقة بها، ومصدر وجودها أساساً. إنَّ إعادة الهيكلة المؤسّسية الفاعلة تُحتّم أن يكونَ هناك دورٌ مهمٌّ لمؤسَّسات القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني، مهما كان هيكل ملكيتها أو نوعيته، شريطة أن تعمل بحاكمية وشفافية، ورقابة عادلة. بيد أنّ تفعيل مفهوم رشاقة الحكومة، والذي يقوم أساسا على مرونة الحكومة في العمل، قبل أن يقوم على حجم الحكومة في الكَمِّ، يتطلّب بالضرورة تفعيل دور مؤسَّسات الحكم المحلي في تقديم الخدمات غير المركزية للسكان، أو المستفيدين من الخدمات، سواء أكانوا مواطنين عاديين أم مستثمرين وأصحاب رؤوس أموال. وقد انتهجت دول العالم المتقدمة، مثل الولايات المتحدة، وألمانيا، وبريطانيا، وغيرها من الدول، وكثير من الاقتصادات الناشئة، مثل الصين، والهند، وكوريا الجنوبية، وغيرها، مفهومَ اللامركزية الذي يساند بشكل فعّال دور الحكومة المركزية، ما جعل تلك الدول تحتاج إلى أقل عدد من الوزارات، والمؤسّسات العامة.
وفي هذا الصدد، وضمن هذه التجارب، فإنَّ القطاع الخاص الفاعل ليس بالضرورة الشركات الكبرى والمستثمرين الكبار، بل على العكس، أدّى اعتماد اللامركزية وتفويض الصلاحيات إلى اعتماد جوهري على المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة وحتى متناهية الصِّغَر.
على الحكومة أن تتوقّف عن القيام بكل شيء، وأن تبدأ تدريجياً بالتعهيد للقطاع الخاص الوطني، على أساس الأولوية، والخارجي، على أساس فتح مجالات الاستثمار والتنافسية. وهذا سيسهم ليس فقط في تجويد الخدمات، بل وسيساعد على تحقيق مبدأ الحكومة الرشيقة، الفاعلة، المُحفِّزَة للشباب للعمل معها كمتعهدين ومزودي خدمات، وليس العمل فيها كبطالة مُقَنَّعة. الحكومات حول العالم، باتت تعْهَدُ إلى القطاع الخاص بأمور عديدة كنّا نعتقد أنها لا تتم إلا في الدوائر الحكومية، مثل إصدار تصاريح الإقامة، ورخص السياقة، وحماية منشآت الحكومة ذاتها، وحماية سفاراتها، والتفتيش الحسي والتدقيق الأمني في المطارات، وخدمات إصدار جوازات السفر، وتصاريح الدخول إلى الدول.
والجميل أنَّ الحكومة باتت ربَّ العمل لهذه الخدمات، وبالتالي باتت تطلب من المزودين التنافس على تقديم خدمات أفضل للمواطنين حتى يتمَّ التعهيد عليهم. والكثير ممّن يقومون بهذه الخدمات مؤسَّسات صغيرة في المحافظات والمناطق البعيدة، وتلك المؤسَّسات تضمن عمل الشباب من الجنسين، وقد ولد بعضها مبادرات وابتكارات عالمية، جاءت من مشاريع شبابية صغيرة، من أمثال التحقق من الأشخاص عبر بصمة العين، والشراء عبر قنوات التواصل الاجتماعي، والمسح الأمني عبر المسح الضوئي للوجه، وخدمات عديدة مهمّة للغاية جاءت من مبادرات فردية ومشاريع صغيرة ومتناهية الصِّغَر.
وأخيراً، لا بدَّ من العودة إلى القول: إنَّ الهيكلة المؤسَّسية هي وسيلة نحو تحسين الأداء، والحوكمة، والرشاقة الحكومية، وإنَّ الهدف الأهم في الهيكلة المؤسَّسية هو قيام الحكومات بجوهر عملها، وسبب وجودها، وخاصة في مجال حفظ الأمن، والدفاع، والحفاظ على مصالح الدولة الخارجية، وتأمين الحماية والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للمواطن والمقيم، عبر سياسات وقوانين وتشريعات، شفّافة ونزيهة وذات حاكمية رشيدة عالية. وبالتالي فإنَّ هذا المقال والمقالات الثلاثة السابقة ما هي إلا اجتهاداتٌ تحمل الصَّواب والخطأ، بيد أنها جاءت لتضع خطوطا وشروطا مرجعية لعمل جادّ يمكن للحكومة أن تطرحه في شكل دراسة شاملة للهيكلة المؤسَّسية وفق الشروط المرجعية التي حاولنا وضعها ضمن هذه السلسلة، وهي شروط هدفت إلى الاجتهاد في تحديد عدد ومهام الوزارات المطلوبة، وعدد ومهام المؤسَّسات العامة، بعيداً عن تضارب المهام أو تكرارها، وأهمية الاعتماد على شراكة حقيقية مع القطاع الخاص في تقديم الخدمات والسلع العامة عبر مبدأ التعيهد. يبقى القول: إنَّ هناك العديد من الأمثلة النموذجية ليس فقط في العالم، وإنما أيضاً من حولنا، وتُعدُّ تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة، من التجارب المميزة في تقديم أفضل الخدمات الحكومية وفي الرشاقة والتعهيد ومتابعة وتقييم الأداء الحكومي والتميز. وعلى من يريد أن يدرس ويقدّم النُّصح للحكومة حول الهيكلة المؤسَّسية أن لا يعيد اختراع العجلة، ولكن عليه أن يدرس التطبيقات المُثلى ويتعلّم منها ويوائم ما ينفع منها لمتطلبات اقتصادنا.  

التعليق