"كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله"

تم نشره في الجمعة 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:10 صباحاً

د. محمد المجالي

هي سنة ربانية، لم تؤكدها هذه الآية فقط، بل إن حيثيات القصص القرآني في عمومه، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عبر التاريخ، هو انتصار الحق ولو قلّ ناصروه، وهزيمة الباطل ولو كثر تابعوه، مهما علا وانتفخ وتجبر، والعجيب أن سياق هذه الآية جاء في حق بني إسرائيل، في قصة طالوت وجالوت، وتردُّدِ بني إسرائيل في القتال في سبيل الله مع طالوت، وكيف ابتلاهم الله في مراحل مختلفة، وفي كل مرة ينقضون مبادئهم، إذ هم أحرص الناس على حياة، ولا يقاتلون إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر كما وصف الله تعالى، ومع أن أنبياءهم أكثروا من تطمينهم وإغرائهم بالإقدام، إلا أن حالهم كان التردد والجبن، وأقدمت الفئة المؤمنة في النهاية مع طالوت، وكان معهم داود عليه السلام، وهو الذي قتل جالوت الجبار،، القصة.
وبدل أن يعتبر بنو إسرائيل بهذه القصة، ويفهموا سنن الله تعالى، ويبتعدوا ابتداء عن الظلم، ويوثقوا صلتهم بالله تعالى أكثر، إلا أن طبعهم العدواني، وتكبرهم الناتج عن اعتقادهم بأنهم شعب الله المختار، وصفاتهم السلبية من غدر وحسد، وكل ذلك موثق قرآنيا، فقد قادهم هذا إلى التمرد المستمر على القيم الإنسانية، وسفكوا الدماء واعتدوا على البشر والشجر والحجر، فليس هذا تجنيا عليهم، ولا ردة فعل لما جرى في غزة، فالموقف مستمر، لم تغيره اتفاقيات ولا تفاهمات، فقد عَلَوْا عُلُوَّا كبيرا شجعهم على الاستهزاء بالمشاعر الإنسانية.
يبين الله تعالى واقع أن العدد لا يشكل كل الحقيقة، فـ "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين"، وهنا أمران ذكرهما الله تعالى، مطلق إرادته تعالى، وشرط الصبر حيث الثبات. فلا شيء يتم في كونه سبحانه إلا بإذنه، وهو مدبر كل شيء، وهو الذي يقول للشيء كن، فيكون، وهو الخالق لكل شيء، والقادر على كل شيء، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، سبحانه هو العزيز الحكيم.
إن غلبة الفئة القليلة للفئة الكثيرة أمر يجريه الله تعالى إكراما لهذه الفئة، أو انتقاما لفئة الكثرة ولو كانت ظاهريا مؤمنة، فمعادلة النصر والغلبة للمؤمنين مرتبطة بمدى إيمانهم الحقيقي بالله تعالى، والقاعدة القرآنية: "إن تنصروا الله ينصركم"، وبدون تحقق نتيجة النصر فلا شك أن هناك خللا في المدخلات، إذ نصرنا لله (لمنهجه ودينه) ليس صحيحا، وإلا فالقاعدة لا يمكن أن تتخلف أبدا، ولا مجاملة في هذه السنة الإلهية، فقد هُزِم المسلمون وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعصيتهم في الثبات على جبل الرماة في غزوة أُحد، وذلك لحرص بعضهم على الغنائم، فكانت النتيجة القاسية، فللنصر شروط، ولله حكم كثيرة في خلقه، يدبر الأمر كيفما يشاء سبحانه، ولكنه يبقي الأمل موجودا، ومنه هذه الآية، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.
ولا بد من الانتباه إلى موضوع الصبر، ومن قبله الإعداد إذ هو أمر طبيعي في الأخذ بالأسباب والسير وفق سنن الله تعالى مع حسن التوكل عليه، والصبر أنواع: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر في الابتلاء والمحن والشدائد، ومنها حال الحرب، ولذا قال تعالى في موضع آخر: "يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا، واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون، وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين"، فنجد الصبر والثبات، وهي أمور لا بد من تحقيقها، مع الأمور الأخرى التي هي بدهية في معركة الحق والباطل.
والذي يعنيني هنا، وقد أشرت إليه أكثر من مرة، هو هذه اللامبالاة عند الصهاينة، فهم الذين ابتلوا سابقا ونبذتهم شعوب الأرض، وهم الذين تشردوا في الأرض، بل تم عزلهم في قرى خاصة ومساكن خاصة، وهم الذين عانوا –بسبب منهم- مرارة العيش، فلما حصل وتعاطف الغرب تحديدا معهم، فبدل أن يستشعروا إنسانيتهم، ويستصحبوا ما كانوا عليه من واقع بالنسبة لهم هو مؤلم، فنجدهم يطبقون على الفلسطينيين ما وقع عليهم، وانتفت القاعدة الإنسانية الذهبية، التي هي في أصلها إسلامية: (عامِل كما تحب أن تعامَل)، التي وضحها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، ومن هنا نجد هؤلاء الأعداء يستخفون بالنفس الإنسانية عموما، والفلسطينية خصوصا، ولا يأبهون لأدنى درجات القيم والإنسانية، في غالب حالهم.
طال أمد الاحتلال أم قصر فلا بد أن نصبر، الصبر الإيجابي الذي يواكبه تحفز وأمل نحو التغيير، فالله أكد في كتابه سنة أخرى في هذا السياق وهي قوله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، فمثل هذه النصوص تؤكد الأمل بالله تعالى، وتبشر بالنصر ولو بعد حين، فمصير الظالمين إلى هزيمة، ومصير الحق وأهله إلى نصر وعزة، وهذه الأرض المباركة على وجه التحديد (لا يُعَمَّرُ فيها ظالم)، هكذا سنن الله، وهكذا تجارب الحياة، والتاريخ شاهد، منا من يبصر ويوقن، ومنا من يتعامى ويشك، فلا بد من يقين وصبر وإرادة.
نعم، لا بد من إرادة مع هذه البصيرة، بأن الغلبة للحق ولو كان أتباعه قلة، إرادة تشعرنا بقيمتنا وحريتنا، نظنهم أحرارا، ونظن إخوتنا في غزة –مثلا- مقيدين، والحقيقة هي العكس، فهؤلاء المفروض عليهم حصار هم الأحرار لأنهم يملكون إرادتهم، وغيرهم عبيد لأنهم لا يملكون إرادة، ونرى كيف يصنع الأحرار الحقيقيون بطولات، والحقيقة واضحة باقية: "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين".

التعليق