تقرير إخباري

فرصة أخيرة لإنقاذ "ضريبة الدخل"

تم نشره في الأحد 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • دائرة ضريبة الدخل والمبيعات - (أرشيفية)

شروق طومار

عمان- يقترب المشروع المعدل لقانون ضريبة الدخل من الخروج من بوابة "النواب"، وسط مناقشات حادة داخل المجلس، وبعد دراسة وتوصيات من لجنته للاقتصاد والاستثمار، لم تسفر حتى الآن إلا عن القليل من التجميل على أصل المشروع، الذي يزيد من حجم العبء الضريبي العام على المكلفين، بما لا يخدم تحقيق نسب النمو الاقتصادي المطلوبة لا سيما في ظل اقتصاد منكمش أصلاً.  
أبرز ما تمكن المجلس حتى الآن من تحقيقه - بخلاف ما كان مشروع الحكومة يرمي إليه- هو إعفاء أرباح القطاع الزراعي كليّاً من الضريبة تماشياً مع القناعة العامة بضرورة تمكين هذا القطاع واحتضانه، رغم ما يحمله ذلك من مساواة بين صغار المزارعين والشركات الزراعية الكبرى.
يحسب للجنة توصيتها بإعفاء أرباح توزيعات الأسهم من الضريبة منعاً للازدواج الضريبي، وقد وافقها المجلس في ذلك، إضافة إلى توصيتها بإعادة نسبة الضريبة المفروضة على القطاع الصناعي، الواجب دعمه أيضاً، إلى 14 % بدلاً من 20 % بحسب مقترح الحكومة.
لم يحسم المجلس بعد أمر المادة الأكثر جدلاً في القانون والمتعلقة بنسب الضريبة والإعفاءات للأفراد والأسر، وقد اجتهدت اللجنة في محاولة زيادة إعفاءات الدخول وإعادة جزء من إعفاءات الفواتير التي ألغاها مشروع الحكومة، وأفضل ما جاء في تلك الاجتهادات هو ربط إعفاءات الأبناء بعددهم، ما من شأنه تحقيق مزيد من العدالة الضريبية.
برغم هذه الاجتهادات لم يصل مجموع تلك الإعفاءات إلى المستوى الذي يتناسب مع ما يعانيه المواطن من أعباء مالية نتيجة انخفاض الأجور وارتفاع الأسعار والمشكلات الكثيرة التي يمر بها الاقتصاد الأردني، كما لم تحقق الشرائح المقترحة مبدأ التصاعدية بفعالية، بسبب قلة عددها وضيق مدى الشرائح الأولى، وبالتالي توقف التصاعدية عند حد متدنٍّ نسبياً دون معيار واضح.
وسط الظروف الاقتصادية الصعبة، ربما كان من الأجدر أن تعيد اللجنة مبالغ إعفاءات الدخول والفواتير للأفراد والأسر إلى ما كانت عليه في القانون الحالي، وتوسيع الشرائح الضريبية وزيادة عددها، بل والذهاب إلى تخفيض نسب الضريبة على هذه الفئة، وتعويض الانخفاض في الإيرادات الضريبية الناتج عن ذلك بزيادة النسب المفروضة على القطاعات الأكثر ربحية وقوة وعلى رأسها قطاع البنوك.
فعلى سبيل المثال، يمكن لزيادة الضريبة على البنوك بنسبة 2 % أن ترفد الخزينة بحوالي 16 مليون دينار اعتماداً على أرباح البنوك لعام 2017، أي ما يشكل 20 % من الـ 80 مليون دينار التي تأمل الحكومة تحصيلها من الأفراد والأسر في حال تطبيق مشروعها للقانون بحسب تصريحات مدير عام الضريبة منتصف أيلول (سبتمبر) الماضي.
هذا الخيار لم تكتفِ اللجنة بتجنبه، بل إنها ذهبت إلى تخفيض نسبة الضريبة على البنوك إلى 35 % بعد أن كانت 37 % بحسب مقترح الحكومة، ما يعني الرضوخ لضغوط هذا القطاع، والانجرار وراء ما رُوّج له من احتمالية انعكاس أي زيادة في نسب الضريبة على أسعار الفوائد البنكية وبالتالي تحميل المواطن تلك الزيادة، وهو أمر غير قانوني ولا يحق للبنوك التلويح به، حيث أن لسعر الفائدة مدخلات محددة ليس من بينها الضرائب، والأصل أن تخضع لرقابة البنك المركزي.
الأكثر خطورة هو اقتراح اللجنة إنشاء حساب تحت اسم "صندوق المساهمة الوطنية" لدى دائرة الضريبة، تُرصد موجوداته في الموازنة العامة لسداد الدين العام وتتكون إيراداته من فرض ضرائب إضافية بنسب متفاوتة على دخول الشركات من مختلف القطاعات والأنشطة.
ظاهرياً، تبدو فكرة الصندوق جيدة وذات هدف نبيل، إلا أنها في الواقع تحمل عدداً من السلبيات، فهي بداية لم تحدد مبررات النسب المقترح تطبيقها على النشاطات المستهدفة، فعلى أي أساس تكون هذه النسبة للبنوك 3 %، بينما تكون لشركات التعدين 7 %، ولشركات الوساطة المالية 4 %؟
من جهة أخرى، فإن تخصيص مبالغ من ضريبة الدخل لسداد الدين العام يحرف ضريبة الدخل عن مفهومها والغاية المفترضة منها، ويشكل مخالفة للمبادئ الضريبية العامة، حيث لا يجوز تخصيص ضريبة لغايات أو نفقات معينة، وإنما ينبغي تحديد وجهة توزيع الإيرادات الضريبية وفقاً لحاجات المجتمع من المنافع والخدمات، وهذا ينطبق أيضاً على فرض ضريبة تكافل اجتماعي وضريبة لدعم البحث العلمي.
الأسلم أن يتم إنشاء مثل هذا الصندوق بقانون ونظام خاصين خارج قانون الضريبة، بحيث يتم تنزيل المبالغ المقتطعة لحسابه من أرباح الشركات لاحتساب الدخل الخاضع للضريبة، وعندها ستهرع الشركات لتسديد حصتها في هذا الصندوق لتحقيق وفر ضريبي، دون نسف المبادئ الأساسية لضريبة الدخل وغاياتها.
إن وجود مثل هذا الحساب ضمن قانون الضريبة، إضافة للتشوهات العديدة في القانون، يضفي صبغة الشرعية على ما هو غير عادل في نواحٍ وغير قانوني في نواحٍ أخرى، وسيجعل الأردنيين سواء أكانوا أشخاصاً طبيعيين أم اعتباريين يستمرون في الكدّ والعمل، لا من أجل تلبية احتياجاتهم وتحقيق رفاههم ونماء مجتمعهم، وإنما من أجل سداد الدين العام الناجم عن السياسات الحكومية التي لم يكن لهم يدٌ فيها. 

التعليق