إلى الحكومة والشعب مع التحية

تم نشره في الاثنين 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:08 صباحاً

كشف علماء الأعصاب والدماغ عن وجود علاقة طردية قوية بين الثقة والتعاون والكيماويات العصبية في الدماغ. ومن ذلك أن الاكسوتوسين، وهو هرمون تطلقه الغدة النخامية لدفع الحليب إلى الثديين وإرضاع الوليد، ينطلق أيضاً في حالة الشعور بالثقة وممارسة التعاون بين الناس.
لماذا؟ لأن الكيماويات الناجمة عن الثقة تدفع الناس إلى التفاعل والتعاون بدلاً من الإنكفاء والانطواء والعزلة، فالثقة تزيل الشكوك والحساسية، وتقوي التعاون والتقارب. ويؤدي ذلك – بدوره – إلى إثارة مراكز السرور والفرح في الدماغ.
لقد أجرى علماء في جامعة إموري (Emory) تجربة على 36 شخصاً، واستخدموا جهاز MRT لتصوير دماغهم في أثناء قيامهم بلعبة تعاونية. وقد تبين أن مناطق في الدماغ تضيء في أثناء عملية التعاون، وكما تفعل عند تناول الحلويات أو رؤية الوجوه الجميلة، وأن الثقة المتبادلة هي السبيل إلى التعاون، وكأنها الغدة النخامية التي تدفع الحليب إلى الثدي وترضع الوليد.
أنت وأنا وهو نرى كثيراً من معروضات الفواكه والخضار، فلا نتشجع على الشراء، لأنه لا يوجد لدينا ثقة في معديها، فهي موجهة، أي أن ما هو ظاهر منها يختلف في الجودة عما هو مخفي. وأنت وأنا وهو قد نمرض فنتردد في الذهاب إلى الطبيب، لأننا نخشى أن يصف لنا أدوية كثيرة غير ذات علاقة، أو يقترح علينا جراحة غير لازمة، وهكذا في كل أمر، وسببه غياب الثقة، مما يجعل التعاون والتفاعل والتعامل في المجتمع ضعيفاً.
إن الثقة هي المادة الفعالة في تنشيط التعاون والتفاعل والتعامل وحركة البيع والشراء والاستثمار والابتكار والازدهار. وكلما قويت وتحلى بها الناس من الداخل ومارسوها في الواقع ازداد التعاون والتفاعل والتعامل...
يقولون لنا كثيراً: إن السوق راكد أو ميت، ويرجعون ذلك إلى الغلاء أو الفقر الداهم، أو إلى الأوضاع السياسية المضطربة في المنطقة، قافزين عن السبب الأهم وهو غياب الثقة، فأنت وإن كنت غنياً أو فقيراً، ولكن لست واثقاً أو مطمئناً أنك لن تُخدع في سعر، أو في خدمة، أو غش في سلعة، فإنك لن تقدم عليها، أو تجعل إقبالك عليها في الحد الضروري/ الأدنى.
وتنطلق الثقة والتعاون والتفاعل والتعامل إذا أضيفت إليها الشفافية والحريات بعامة، والتعليم التعاوني، ونظافة البيئة، فقد تبين أن قذارة البيئة تؤدي إلى انخفاض هرمون الاكسوتوسين عند الناس، وبالتالي إلى انخفاض في شعورهم بالثقة.
لقد تبين للباحثين في الأعصاب أن جزءاً غير قليل من الفقر ناجم عن ارتفاع مستويات هرمون الأستروجين عند الناس، وأن زيادته عندهم تؤدي إلى تحسن المزاج والحالة النفسية للإنسان، وبخاصة عند المرأة، وبالتالي إلى التفاعل والتعامل.
كما بينت بحوث أخرى أن الاختلاف في مستويات المعيشة بين شعب وآخر، ناجم –في جزء كبير منه - عن الاختلاف في مستويات الثقة في المجتمع.
(Paul J. Zak : Trust and Growth, Journal of Financial Transformation,  2001).
وقد بلغت أهمية الثقة عند زاك في تنشيط الاقتصاد أنه حسب كمياً أثرها عليه، فوجد أن زيادة الثقة تؤدي إلى ارتفاع مستوى الدخل في المجتمع.
يتقدم المجتمع وينهض بالثقة الأفقية والعمودية فيه، بالإضافة إلى العوامل الأخرى المذكورة سابقاً، لأن الثقة تجعل المواطن يشعر بالطمأنينة والراحة والمسرة والفائدة في التعاون والتعامل والبيع والشراء والاستثمار.
وعليه فإن المشكلة الاجتماعية الاقتصادية السياسية المستعصية في الأردن ناجمة عن غياب الثقة، والتحدي يتجلى في كيفية بناء الثقة فالأمر ليس سهلاً ابداً بعد طول غيابها.
في تفسير المشكلة أو الخلاف بين الشعوب والحكومات – عدا عن غياب الثقة – أن الحكومات تفكر بما يمكن عمله، والشعوب تفكر بما ينبغي عليها عمله.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مداخله... (" محمد مشهور" شمس الدين)

    الاثنين 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2018.
    "الشمس لا تتغطّى بغربال" مثل رائع، إن استمرار "بعض المتنفذين الفاسدين" بالقيام بأعمال "النهب لأموال الخزينه" أمر يجب "مكافحته وإنهاؤه" اولا.. ومن ثم تحصيل الاموال المنهوبه ثم يتم إعداد برامج توعويه تهدف " إعادة بناء الثقه والتعاون والولاء المخلص للوطن"... اليس كذلك؟؟؟؟