وزير الخارجية الأسبق يستذكر مع‘‘الغد‘‘ محطات أردنية.. وهذه قصة الوفد الأردني الفلسطيني المشترك

أبو جابر: في مدريد لم أصافح شامير فمازحني الحسين بقوله ‘‘أنت عفريت‘‘! (1-2)

تم نشره في الأربعاء 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:41 مـساءً
  • الملك الراحل الحسين بن طلال ولقاء وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر بحضور د. كامل ابو جابر عام 1991 - (ارشيفية)
  • الدكتور كامل ابو جابر وعقيلته (ارشيفية)
  • د. كامل ابو جابر ومسؤولون سابقون في المسجد الاقصى مطلع التسعينيات - (ارشيفية)

د. محمد أبو بكر

عمان- الغد-  حينما نغوص في ذاكرة الوطن، علينا أن نتسلح بكل أدوات الغوص، وبكل ما هو متاح لنحفر في صخر الأحداث، ونتجول بين صفحات كتب التاريخ، ونسبر غور شخصيات كان لها الأثر الواضح والتأثير الجلي في مسيرة وطن واجه الكثير من الظروف والتقلبات على مدى عقود عديدة مضت.
في ذاكرة الوطن الكثير مما يمكن قوله، والحديث حوله، من السياسي إلى الاقتصادي، ولا بأس من الثقافي وكذلك الاجتماعي، فالترابط بينها لا انفصام له، وتاريخ الأردن الحديث حافل بالأحداث التي ربما باتت في غياهب النسيان، لدى البعض، ولكنها أحداث لا تموت ولا تفنى، ولا بد من العودة إليها، لأن في الإعادة مزيدا من الإفادة واستخلاص العبر والدروس، وجدير بنا الوقوف على ذلك لندرك أن هذا الوطن ما كان يوما إلا مع أمته في كل الظروف، وخاصة الحالكة منها.
محطات من الذاكرة السياسية الأردنية.. نغوص في ذاكرة شخصيات سياسية ونستعرض أحداثا وكواليس، ونعمل على استكشاف ما كان مستورا خلف حجاب، هو تاريخنا الذي صنعناه بأيدينا، وربما شاركت الظروف في صنعه أيضا، ونحن في الأردن لا يمكن لنا أن نكون خارج التاريخ، أو متفرجين فقط، فكم من الرجال في هذا الوطن صنعوا تاريخا وأمجادا، وباتوا منارات مضيئة في عالم يتسع عاما بعد آخر.
هي سلسلة حوارات تسعى للابتعاد عن التقليدية، نحاول أن نقدم للقارئ مادة غنية باستضافة العديد من الشخصيات الأردنية التي تولت مواقع المسؤولية، وخاصة في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.
في هذه المحطات، ومع الشخصيات التي سنستضيف، سنحاول إزالة الغبار عن "ما لم يعلن" بقدر جدنا واجتهادنا.. والله الموفق.

عمان- عندما تجلس إليه وبرفقته شريكة العمر والدرب، تشعر وكأنك في بيتك، بساطة وتواضع وزهد في الحياة، التي كانت حافلة وما تزال منذ المرحوم والده (صالح)، فتغمرك مشاعر الارتياح والسعادة والصفاء، فهذا الشخص كان في يوم من الأيام محط أنظار الأردنيين والعالم أجمع، عندما كان رئيسا للوفد الأردني الفلسطيني المشترك في مؤتمر مدريد للسلام 1991.
الدكتور كامل أبو جابر وزير الخارجية الأسبق، والعميد الأسبق لكلية الاقتصاد والتجارة في الجامعة الأردنية، وأستاذ العلوم السياسية فيها، كان دأب على غسل الصحون ومارس أعمالا شاقة أثناء دراسته الجامعية في الولايات المتحدة، حتى يتمكن من الإنفاق على دراسته ومعيشته، لأن الوالد ما كان ليستطيع تدبير أمور ولده؛ حيث كان رحمه الله يأمل من ابنه كامل عدم السفر والبقاء إلى جانبه، لأن الدراسة والشهادات لا تطعم خبزا كما كان يعتقد!
في الحوار مع أبو جابر توقفنا في العديد من المحطات التي تستحق الوقوف عندها، منذ دخوله وزارة زيد الرفاعي الأولى 1973 مرورا بحرب تشرين في ذلك العام، ومؤتمر قمة الرباط 1974، وزيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس المحتلة وتوقيع اتفاقيات كامب دافيد وصولا إلى أيامنا هذه وما نحن فيه.
الحوار استغرق ساعات، لم تكن كافية بحق لنبش كل ما يدور في ذهنه وأذهاننا، ولكن حاولنا قدر المستطاع أن نتطرق لكل ما هو مهم في هذه المسيرة الممتدة لأكثر من خمسين عاما، وخاصة حين أنيطت به مهمة رئاسة الوفد الأردني الفلسطيني المشترك لمؤتمر مدريد للسلام، وما تلا ذلك من أحداث كبيرة، ما تزال آثارها ماثلة أمامنا، كاتفاقيات أوسلو (غزة-أريحا أولا) وتوقيع اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية 1994 وصولا لعهد الإدارة الأميركية الحالية وقرارات ترامب التي اتخذها، وما بين كل ذلك الغوص في شؤوننا المحلية، وما يرشح بين الحين والآخر عما يسمى صفقة القرن.

* شاركت في أول حكومة لزيد الرفاعي العام 1973، وبعد شهور وقعت حرب تشرين، وبعد ذلك قدّمت استقالتك، كيف حدث ذلك ولماذا؟
- كنت عميدا لكلية الاقتصاد والتجارة بالجامعة الأردنية، وطلبني زيد الرفاعي لأشارك بتلك الحكومة كوزير للاقتصاد، ثم جاءت حرب تشرين، حيث اندلعت المواجهات على الجبهتين السورية والمصرية، وكان رأيي المشاركة فورا في الحرب، وكان هناك بعض المعارضين لذلك، وطلبت اجتماعا للحكومة لدراسة الموقف، واستمرت اجتماعاتها مفتوحة وتعقد بصورة يومية، وحضر الملك الحسين رحمه الله كل اجتماعاتها؛ حيث طلب منا التريث قليلا لرؤية وتقييم الموقف، وبعد ذلك شاركنا بالحرب إلى جانب سورية من خلال اللواء المدرع الأربعين الذي كان قائدا له خالد هجهوج المجالي.
كان رأيي آنذاك أن هذه الحرب هي استكمال لحرب حزيران التي خسرها العرب، وكانت نكسة قاسية، وفيها من الأخطاء التي لا يمكن حصرها، فجاءت هذه الحرب التي رأينا أنها ربما تكون الفرصة الأخيرة لإعادة كرامة الأمة العربية، ولأننا أيضا لا نريد أن يتساءل الناس في الأردن عن سبب عدم المشاركة، ويجب هنا الإشارة إلى أن اللواء الأربعين كان على قدر المسؤولية وأبلى بلاء حسنا إلى جانب الأشقاء السوريين، وبعد عودة جنودنا من الجبهة بأشهر عدة جاءني خالد هجهوج واحتضنني، وقام بتقبيل رأسي قبلة لن أنساها ما حييت.
أما في موضوع أسباب الاستقالة، فلم أكن أشعر بالراحة، ووجدت أنه من الصعب الاستمرار بالحكومة، وكانت لدي رغبة في العودة لعملي السابق، الذي أحبه، وهو التدريس بالجامعة.

* المرحوم ذوقان الهنداوي وجه دعوة لمجموعة من الشخصيات بمنزله لتدارس موضوع الحرب، وكان هناك نقاشات حادة بين الحضور، ماذا جرى بالضبط؟
- المرحوم الهنداوي من أنظف الناس، ويمتاز بالنزاهة والأخلاق العالية، وفي ذلك اللقاء الذي جرى في بيته تدارسنا بشأن الحرب، ودارت نقاشات وحوارات ساخنة وحادة بين الحضور، فمنهم من كان يريد للأردن دخول الحرب إلى جانب الأشقاء في مصر وسورية، والبعض الآخر اعترض على ذلك بحجة أن الأردن إذا ما شارك فيها سيضيع البلد، فخاطبت الحضور بالقول إن الأردن دائم الوقوف بجانب الأشقاء، ولا يجوز التراجع وعدم المشاركة، وللأسف حاول البعض في ذلك اللقاء أن يسوّق علينا بطولات زائفة، ونحن ندرك أن الأردن ليس من طبعه التخلي عن واجباته تجاه العرب، فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بحرب بيننا وبين أعدائنا؟

* يبدو أن آراءك في ذلك الوقت أزعجت البعض؟
- أنا إنسان عروبي، ولا أجد نفسي إلا مع أمتي العربية بكل الظروف، ويبدو أن مواقفي بذلك الوقت أزعجت البعض فعلا، حتى أنه تم استثنائي من أي دعوات رسمية حتى العام 1990، ولكن لا بأس، في النهاية لا يصح إلا الصحيح، وفي العمل السياسي عليك أن تكون صبورا إلى أبعد الحدود، فالأمور لا تسير كما تشتهي دائما، فالعمل السياسي حقل ألغام عليك أن تكون حذرا جدا، ولا يمكن له أن يسير بخط مستقيم نظرا للتقلبات والتطورات والتحالفات وما إلى ذلك.

* في مؤتمر قمة الرباط 1974، اعترف الأردن بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني تحت ضغوط عربية كبيرة، والملك الحسين رحمه الله استجاب لذلك ووافق عليه على مضض، وفي جناحه بمقر إقامته خاطب الصحفيين بالقول.. إن العرب اتخذوا قرارا "بتمييع" القضية الفلسطينية لأكثر من خمسة وعشرين عاما مقبلة، ما رأيك في ذلك؟
- نعم صحيح، القرار تم اتخاذه "بتمييع وتضييع" القضية ليس لخمسة وعشرين عاما بل لمائة عام، فالملك الحسين كان حانقا وغاضبا وتعرض لضغوط كبيرة بالمؤتمر من الزعماء العرب، فهو كان يدرك أن مثل هذا القرار في ذلك الوقت لا يخدم القضية الفلسطينية ولا الشعب الفلسطيني، ومن هنا يجب القول وبكل صراحة إن الأردن لا يمكن له أن يكون بعيدا عن فلسطين، والعكس صحيح، فتكاتف الطرفين مع بعضهما بعضا يمنحهما قوة كاسحة وكبيرة يحسب لها ألف حساب. الدولة الفلسطينية لا يمكن لها أن تقوم من دون المساندة والدعم من الأردن لأسباب كثيرة، فالعلاقة الأردنية الفلسطينية لا يمكن مقارنتها بعلاقة الفلسطينيين مع الدول الأخرى، وهنا أستذكر مواقف الملك المؤسس عبدالله الأول من القضية الفلسطينية، وهو الذي استشهد على باب المسجد الأقصى، وعلى ذكره رحمه الله، فإنني أستذكر مسألة مهمة لا يعرفها الناس، وهي أن الملك المؤسس مات وعليه بعض الديون لعدد من الشخصيات الأردنية مثل صبري الطباع وأبو قاعود والحاج حسن وأبو حسان وربما غيرهم، ولكنه كان يمتلك شخصية قوية، استطاع رغم شح الإمكانيات تأسيس هذا البلد.

* كيف تقرأ ضغوط العرب في ذلك الوقت، هل كان هاجسهم فعلا مصلحة الشعب الفلسطيني؟
- بعض العرب لا يريدون للأردن أن يكون له دور محوري بالمنطقة، فالأردن حفر هذا الدور بجهوده السياسية وحنكة قيادته، وتشعر أحيانا أن هؤلاء يرغبون برؤية الأردن "أعرج" على قدم واحدة، إضافة للبعد الديني والشرعية الدينية الممتدة إلى آل البيت وللرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، هذا يغيظ البعض، فشرعية النظام الملكي في الأردن لا مثيل لها، وهذه حقيقة لا مجاملة فيها، وبعضهم أيضا يريد للأردن فقط أن يبقى دولة عازلة بينهم وبين إسرائيل، طبعا في ذلك الوقت، لأن الأمور تغيرت بالنسبة لبعض الدول العربية والعلاقة مع إسرائيل وما يجري في الخفاء وحتى العلن.

* فاجأ الرئيس المصري الراحل أنور السادات الجميع بزيارة القدس، مما شكل صدمة للجميع، كيف كان وقع ذلك حينها؟
- السادات لم يستشر أحدا أبدا قبل زيارته الشهيرة، وهو معروف عنه ذلك، حتى زوجته لم يكن ليستشيرها، لقد اتخذ القرار بمفرده، لأنه كان يعتقد أن ما بيننا وبين إسرائيل هو الحاجز النفسي فقط، وأنه بزيارته للقدس سيتمكن من إزالة هذا الحاجز، وهذا خطأ كبير وافتقار للرؤية السياسية، وللأسف السادات كان لا يملك الخبرة الكافية لا في التاريخ ولا في الجغرافيا وكذلك موازين القوى، إضافة لجهله بالفكر الصهيوني تماما.
وبمناسبة الحديث عن تلك الزيارة، للأسف الشديد، فقد برع بعض العرب بالتآمر على بعضهم بعضا، وحقيقة (ما في أشطر منّا) كعرب بالمؤامرات، وهذا يدعو إلى المرارة والضيق، لأننا وصلنا إلى مراحل باتت تصيبنا بالخجل الشديد من هذا الواقع الرديء الذي نعيش.

* صدر قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية العام 1988، ما هو السبب برأيك الذي دعا الأردن لاتخاذ مثل هذا القرار؟
- قرار فك الارتباط هو تأكيد لما جرى في قمة الرباط 1974، ولا يمكن فصله عنه، الملك الحسين وافق على قرار الرباط على مضض، وبعد كل هذه السنوات بات الأردن واعيا ومدركا بأن الظروف قد تغيرت، ولا بد من وجود شخصية فلسطينية مستقلة تطالب بحقوقها وتقود المرحلة المقبلة.
الأميركان والإسرائيليون لا يهمهم ولا يعنيهم الوجود الفلسطيني، والأردن يعلم ذلك، وبالتالي فإن قرار فك الارتباط هو إصرار أردني على إبراز الشخصية الفلسطينية والمحافظة على الوجود الفلسطيني على أرض فلسطين، لأن السلاح الوحيد الآن في مواجهة إسرائيل هو السلاح السكاني، والقرار كان موقفا سياسيا من دون سند دستوري.

* في صيف 1990، تم تشكيل مجموعة من الشخصيات الأردنية لتدارس إمكانية عقد مؤتمر للسلام؛ حيث كانت المؤشرات الدولية توحي بذلك، حدثنا عن هذا الأمر؟
- اتصل بي هاتفيا الدكتور عبد الله النسور وكان وزيرا للخارجية وأبلغني النية بتشكيل لجنة تضم عددا من الوزراء وكبار المسؤولين وشخصيات مختلفة للاستعداد والتجهيز إذا ما تمت الدعوة لعقد مؤتمر للسلام، ورحبت بالفكرة، وتم بالفعل تشكيل اللجنة أو المجموعة برئاسة طاهر المصري رئيس الوزراء في ذلك الوقت، وفي هذه الأثناء تكثفت زيارات وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر للمنطقة، والتقيناه في عمان مرات عدة، وكان واضحا أن هناك تفاهمات أميركية أوروبية روسية في هذا الاتجاه، وكنّا بلقاءاتنا نسأل دائما ما الذي نريده من مؤتمر كهذا؟ وما الذي يريده الفلسطينيون والعرب؟
طبعا، مواقفنا في الأردن ثابتة، ونعلم ما نريده، وخاصة فيما يتعلق بالحدود والأمن والمياه والقدس واللاجئين وما إلى ذلك، وكان التزامنا واضحا بقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة مثل القرارين 242 و338 رغم عدم القناعة بهما، والفلسطينيون أيضا كانوا يعرفون اتجاهاتهم، والتنسيق والتواصل معهم كان مستمرا من دون انقطاع.

* بعد استقالة الدكتور عبد الله النسور، تسلمت منصب وزير الخارجية، وفي ظروف بالغة الدقة والحساسية، كيف جرى ذلك؟
- د. النسور قدم استقالته أثناء وجوده في نيويورك، فما كان من طاهر المصري إلا الاتصال بي طالبا مني الحضور إلى بيته عند الساعة الثانية بعد الظهر، فأبلغني برغبة الملك الحسين ورغبته هو بأن أتولى منصب وزير الخارجية، فأجبته بارتياحي بعملي في الجامعة وليس لدي الرغبة للعودة إلى العمل الحكومي، ولكنه كرر بأن هذه هي رغبة الملك، فوافقت، وذهبت إلى القصر الملكي، وكان الحسين جالسا بغرفة الحرس، فاستقبلني بحرارة وبوجهه البشوش، ورافقته للداخل وقمت بأداء القسم.

* ومن هنا بدأت الرحلة نحو مؤتمر مدريد للسلام، حدثنا عن التطورات قبل عقده، وكيف كانت الإجراءات التحضيرية له؟
- كان هناك توافق أميركي أوروبي روسي على عقد مؤتمر للسلام في الشرق الأوسط، والولايات المتحدة بدأت بإجراء اتصالات مع الأطراف ذات العلاقة باستثناء الفلسطينيين؛ حيث كان هناك رفض إسرائيلي لتشكيل وفد فلسطيني مستقل.
وأصر الأميركان على أن يضم كل وفد 14 شخصا، ولا أعلم لماذا الإصرار على هذا الرقم، والأردن كان رأيه بتشكيل وفد فلسطيني مستقل أسوة بالآخرين، ولكن بالنهاية اتفقنا على تشكيل وفد مشترك أردني فلسطيني وبشرط أن يضم الوفد الفلسطيني عدد أعضاء الوفود الأخرى نفسه، وكان هذا إصرارا من الجانب الأردني وتم لنا ذلك.
تداولنا بالأمر أنا وطاهر المصري ورئيس الديوان الملكي آنذاك الراحل الأمير زيد بن شاكر، وقلت إن ما يجري اليوم هو حدث تاريخي نعيشه، وعلينا أن نكون بقمة الاستعداد له، وهنا يجدر القول إننا لم نكن نعرف مكان انعقاد المؤتمر إلا قبل يومين فقط من انعقاده، وحينها علمنا أن العاصمة الإسبانية مدريد هي المكان الذي جرى اختياره لاستضافة أعماله.
قبل الذهاب للمؤتمر، تشرفت بلقاء الملك الحسين لأكثر من ساعتين، كان بتلك اللحظات يدخن كثيرا وشرب أكثر من عشر كاسات شاي، تداولنا بموضوع المؤتمر وأعطى توجيهاته.

* كيف تم اختيار أعضاء الوفد المشارك بمؤتمر مدريد؟
- كنا حريصين على تمثيل مشرف ووجود شخصيات لديها الخبرة والكفاءة، واقترحت اسم الدكتور عبد السلام المجالي والدكتور محمد عدنان البخيت، وطلبت مشاركة ضابطين؛ واحد من القوات المسلحة والآخر من المخابرات العامة، فرافقنا المشير الراحل عبد الحافظ مرعي الكعابنة من القوات المسلحة وعبد الإله الكردي من المخابرات.
ذهبنا والوفد الفلسطيني بطائرة واحدة؛ حيث كان رئيس الوفد الفلسطيني طيب الذكر الدكتور حيدر عبد الشافي، إضافة للدكتورة حنان عشراوي وصائب عريقات وغيرهم، وحظينا باستقبال الملك الحسين لنا، ثم قام بوداعنا متوجهين إلى العاصمة الإسبانية.

* في مدريد كنت رئيسا للوفد، وبمواجهة رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق شامير، هل قمت بمصافحته؟ وهل دار حديث بينكما؟ صف لنا الأجواء في تلك اللحظات؟
- ما بيننا وبينهم حالة حرب، وكيف لي أن أصافحه؟! وجاءني اتصال من الملك الحسين، وكان يضحك، وقال لي "أنت عفريت" لأنني لم أصافح شامير، وقلت له "يا جلالة الملك، عندما يقوم السلام بيننا وبينهم سوف أسلّم عليه وعلى غيره".
المؤتمر عقد بأحد القصور الرائعة في مدريد، بناء مدهش جدا وغاية في الفخامة وبحضور وفود دولية رفيعة المستوى وعلى رأسهم الرئيس بوش الأب والرئيس الروسي غورباتشوف وزعماء آخرون، وفي اليوم التالي كنا على موعد مع عقد المؤتمر الصحفي، واعتقدنا بوجود المئات من الصحفيين ووسائل الإعلام، ولم نكن على علم بمكان انعقاده، ففوجئنا بعقده في ملعب (سنتياغو برنابيو)، وهو الملعب المخصص لفريق العاصمة ريال مدريد، وبوجود ما يقارب ستة آلاف صحفي من أرجاء العالم كافة.

* لماذا كان هناك إصرار أميركي إسرائيلي على مفاوضات من شقين؛ ثنائية ومتعددة الأطراف؟
- هذا خبث ودهاء، والمقصود المماطلة والتمييع، نعم كانوا خبثاء في ذلك لأن هناك قضايا مهمة مثل القدس واللاجئين والمياه وحق العودة، وعلينا أن ندرك دائما أن الإدارات الأميركية المتعاقبة سواء الديمقراطية أو الجمهورية هي دائمة الوقوف إلى جانب إسرائيل سواء كانت على حق أو على باطل، وأحلاهما مر.

التعليق