واشوقاه رسول الله

تم نشره في الجمعة 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي

كثيرة هي الأوقات الحرجة التي مرت وتمر بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فأمرا الرخاء والشدة مرتبطان بمدى الاتفاق أو الابتعاد عن الأخذ بسنن الله تعالى في خلقه، وبمدى هذه العلاقة بالله تعالى، وثقتنا به وحسن توكلنا عليه، فأمتنا ما بلغت المجد إلا بتمسكها بمبادئها الإيمانية والقيمية، تلك التي حفزتها لتكون متقدمة في سائر المجالات الحضارية، وقد كان، ونحن نريد ونأمل أن لا نبقى نعيش في الزمن الماضي بأننا كنا، بل نطمح أن نكون ونستمر في كينونتنا الرائدة، ونؤنس أنفسنا بأن وعد الله تعالى لا يتخلف أبدا في أن أمتنا هي الأمة المنصورة، والمبشرات في ذلك كثيرة تبقى تنادينا أنْ هلم يا أتباع رسول الله، ابدؤوا بأنفسكم تغييرا وإصلاحا، وانهضوا وانصحوا وارتقوا، فنيل المجد لا يأتي بالتمني، ولا بمجرد الدعاء، فمن جهته سبحانه ضمن لمن نصر دينه أن ينصره، وأن هذه الأمة سيبلغ ملكها ما بلغ الليل والنهار، وسيظهر دينها على الدين كله، ولكن الأيام دول، يوم لك ويوم عليك، وهذه الأمة تمرض ولا تموت، وإن طال ليلها، فلا بد من فجر جديد سيشرق يوما ما.
نحبك يا رسول الله، حبا نتجاوز فيه الادعاء إلى الاتباع، وهو الحب الحقيقي كما قال الله تعالى عن ادعاء حب بعضهم لله: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم"، نحبك يا رسول الله رغم مرارة الغربة عن منهج الله، وبُعْد كثيرين عن التزام سنتك، فالأمة قد غُرِّر بها، وعرف أعداؤها من أين ينفذون إلى تشتيت فكرها وتشويه دينها وإصابة رأس أمرها بمقتل، ومع هذا فلعل أسوأ شخص في الأمة حين يسمع اسمك يا رسول الله يصلي عليك، وربما تدمع عيناه شوقا لك، ورغبة في اتباعك.
أشغلتنا الحياة كثيرا عن الالتزام، عن سلوك صراط الله المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، وربما تمسك كثير منا بالقليل الذي يؤدي من خلاله أركان دينه، ومع ذلك فما أسرع ما يرجع أحدنا إلى الجادة، النداء إلى الصلاة يهذبنا، والقرآن من صوت ندي يهز أركان وجداننا وتقشعر له جلودنا، والجمعة إلى الجمعة لها أثرها (غالبا)، ورمضان ثورة في حياة الغالبية، يدرك أحدنا من خلاله حقيقة نفسه، ويلتزم ويقترب من ربه، وهكذا سائر الأعمال والمواقف، فهو طريق طال أم قصر، يتعرض أحدنا خلاله إلى كثير من المواقف، منا من يرتدع ويلتزم ويؤدي حق الله تعالى ويستشعر مسؤوليته في هذه الحياة، ومنا من يبتعد قليلا أو كثيرا، ومع ذلك فالأمل في الله عظيم أن يكون أمر المسلم بهذه العوامل مجتمعة إلى خير.
يحاولون تشويه المفاهيم، فيقف لهم القرآن بالمرصاد، فتوجيهاته واضحة، وقيمه ظاهرة، ورسالته شاملة، وهداياته تنادي الإنسان أنْ هيا إلى معرفة ذاتك وهذه الحياة وحقيقة الوجود والمآل. ويحاولون طمس سنن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن تأبى الفطرة إلا أن تنسجم مع توجيهاته صلى الله عليه وسلم، فهو القدوة، وهو الترجمان الحقيقي لما أراده الله منا: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا".
هذا محمد في ذكراه، بل ذكراه في كل حال، فقد رفع الله له ذكره، فلا يُذكر الله سبحانه وتعالى إلا ومعه رسوله صلى الله عليه وسلم، فذكراه مستمرة لا نقيدها بيوم، ويوم ميلاده وإن كان أيضا يوم وفاته، فهي ذكرى نقف عندها بعمق أكثر، لا باحتفال ولا بمظاهر، بل بصمت مع النفس عميق، واستشعار لمراقبة الله تعالى، وتذوق لحب لله، ولهذا النبي الرحمة القدوة، ولهذا الدين العظيم وكتابه الكريم.
واشوقاه رسول الله، فقد غادرتنا وتركتنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، وأوحي إليك من أواخر ما أوحي: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون، اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا"، ونحن نعلم حجم الأمل الذي يلقيه ظل هذا النص العظيم، حتى أولئك الذين ابتعدوا لسبب أو لآخر، فسرعان ما يكتشفون الحقيقة، فنداء الفطرة في أعماق نفوسهم يهتف بهم أن لا إله إلا الله، فليستجيبوا له قبل أن تغادر الروح، وحينها لا ينفع الندم، ويا للحسرات يوم القيامة حين يقول أحدنا: "رب ارجعون، لعلي أعمل صالحا فيما تركت".
شاهدت هذا الكم من الشباب الثائر في مدرجات ملعب لكرة القدم في إحدى الدول العربية، يهتف بمرارة وبعاطفة امتزجت مع نور عقل الحقيقة، وبصوت واحد، ليكشفوا عن مدى ما أريد لهم من لهو وضياع، في الهوية والسلوك، فهو يعرف حقيقة ما أريد له، وطموحه أن يكتشف ذاته من جديد، وينهض من جديد، ولكنه مكبّل بما فرضته عليه سياسات وظروف، ولا بد هو ناهض إن شاء الله.
ويبقى نداء الله الخالد: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتَفَرَّقَ بكم عن سبيله، ذلكم وصّاكم به لعلكم تتقون"، وقوله: "فاستمسك بالذي أوحي إليك، إنك على صراط مستقيم" يحثنا على المسير بطمأنينة، لا يضرنا كثرة السالكين لغير هذا الطريق، فالحق أحق أن يتبع، وأن أكون ذنبا في حق خير من أن أكون رأسا في باطل، وسنردد يوما ما: "وقل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا"، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

التعليق