المحافظة على كينونة الدولة ضرورة دينية ومقصد شرعي

تم نشره في الجمعة 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:09 صباحاً

د. أحمد ياسين القرالة

الدولة الأردنية بكل مؤسساتها ومكوناتها هي ثمرة كفاح الأردنيين وحصيلة جهدهم واجتهادهم، وناتج تضحياتهم وعنائهم عبر قرن من الزمان.
فقد استطاع الأردنيون بناء دولة محترمة وتشييد مؤسسات معتبرة، رغم قلة الإمكانات وشح الموارد، وكثرة الصعوبات والتحديات، وكان لهذه الدولة دور كبير في نشر العلم والمعرفة وإسهام بارز في البناء الحضاري لكثير من الدول العربية، كما مدت يد العون للمظلومين والمضطهدين، فآوت المسلم والمسيحي، وفتحت قلبها للعربي وغير العربي، واتسع بيتها للمهجَّرين والنازحين، وما ضاق شعبها يوماً بضيف أو بمستغيث استجار بهم، وكان للقضية الفلسطينية ومسجدها الأقصى مكانةٌ خاصة في وجدانها، فهي الرئة التي يتنفس منها الشعب الفلسطيني والقلب النابض الذي يمدهم بالأمل، والضمير الحي الذي يعبر عن آلامهم وعذاباتهم، والمسبار الذي تقاس به مكانة القدس وفلسطين في وجدان العالم وضميره.
وقد مرت الدولة الأردنية بظروف عصيبة وأحوال صعبة كانت تستهدف وجودها وكيانها، استطاعت بفضل الله تعالى ثم بعزيمة الأردنيين وولائهم من الصمود والتحدي، فتصدت لكل المحاولات التي سعت لاستئصالها، أو تمرير الحلول السياسية والجغرافية على حسابها وملصحة شعبها. ولعل ما تمر به الدولة هذه الأيام من أصعب ما مرت به في تاريخها؛ نظراً لتعقيدات الوضع الدولي والجيوسياسي، وتخلي الأشقاء عن دعمها والوقوف معها، والضغط عليها للدخول في حلول وتسويات لا تتسق مع قيمها وموروثها الحضاري،كما أنها لم تسلم من معضلة الفساد المادي والإداري الذي ينخر في جسدها ويفت في عضدها، ولعل هذا أصعب تحد يواجهها، وهو ما أدى إلى زعزعة الثقة بينها وبين مواطنيها، وعمل على تشويه الولاء لها ولمؤسساتها.
وإن الواجب الشرعي يوجب على الأردنيين الوقوف مع دولتهم والمحافظة عليها، وتجرع المرّ صيانةً لها والعمل بكل صبر وإخلاص لمنع سقوطها أو انهيارها ؛ لأن انهيارها لا قدر الله كارثة ليس على الأردنيين وحدهم وإنما على المنطقة بأسرها، والمستفيد الوحيد من ذلك هم أعداء الأمة والمتربصون بها وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني.
وليس من عذر لأحد أبداً في التخلي عن أداء هذا الواجب أو التقاعس عن النهوض به؛ لأنه يعتبر خيانة لله ولرسوله ولدماء الأردنيين وتضحياتهم.
ولا يتحصّل ذلك إلا  إذا قام كل واحد بواجبه على أكمل وجه وأدى وظيفته على أحسن حال وأنجز مهمته على أجمل صورة، وكل ذلك يقتضي ويستلزم أن لا يتولى الوظائف العامة والمسؤوليات الإدارية غير المؤهلين لها أو المؤتمنين عليها، وأن تكون الكفاءة هي المعيار الوحيد لتولي المسؤولية أو الوظيفة العامة، وهي الميزان الدقيق لانتخاب الممثلين واصطفاء المندوبين؛ امتثالاً لقوله تعالى:" إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ "، وأن تصبح ثقافة أداء الواجب والعمل التطوعي معياراً لحسن المواطنة والانتماء، إذ ليس من المقبول أن يطالِب الناس بحقوقهم ويبالغوا في ذلك بينما هم مقصرون في أداء واجباتهم ومفرطون فيها.
ويجب على الجميع التصدي لكل محاولات تحطيم ثقة المواطنين بدولتهم وتشكيكهم بها؛ لأن ذلك يقتل الولاء ويضعف الانتماء ويعزز التشاؤم ويحطم الأمل ويؤدي إلى المزيد من الضعف والترهل.
 وتعتبر الإشاعة أخطر ما يشوه صورة الدولة ويزعزع الثقة بها ويدمر هيبتها ويضعف اقتصادها، ويوهن روحها المعنوية مما يجعلها بيئة سهلة لتمرير مشاريع مشبوه وتوجهات مريبة.
 فالمؤمن كَيّسٌ فطن لا يبادر إلى نشر خبر أو معلومة دون التثبت منها أو التحقق من صحتها، فهو لا يستقي معلوماته وبياناته إلا من مصادرها المعتبرة، وهذا يوجب على الجهات الرسمية وفي مقدمته الإعلام إعادة بناء جسور الثقة بين الدولة ومواطنيها، وذلك بتزويدهم بالحقائق الصحيحة والبينات السليمة، حتى لا تتولى جهات مشبوهة تشكيل وعيهم وصياغة ضميرهم والعبث بسلوكهم، وعندها يكون الندم ساعة لا يفيد الندم، قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى  مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ".   
الدولة ضرورة دينية وحاجة اجتماعية لا غنى عنها، بها تحفظ الحقوق وتصان الحرمات ويتحقق الأمن وتسود الطمأنينة ويتعزز الانتاج ويتحقق الإبداع، وبغيرها تسود الفوضى ويعم الخوف ويتحول المجتمع إلى غابة البقاءُ فيها للأقوى، فالمحافظة على الدولة بقاءً واستمراراً واجب ديني ومقصد شرعي .
ولا يعني هذا بحال السكوت على الخطأ أو التستر على الفساد وحماية الفاسدين، ولكن يجب علينا ونحن نسعى نحو الإصلاح أن لا ننزلق نحو المجهول أو الفوضى، وأن لا يغيب عن بالنا أن النظر والتبصر بمآلات الأفعال ونتائجها مقصد شرعي، وأن الضرر ما يزال بضرر مثله، ومن باب أولى بما هو أشد منه، وأن الإصلاح إنما يكون بالبناء لا بالهدم، وبالفعل وليس بمجرد القول، وبإصلاح الذات قبل إصلاح الغير.

التعليق