في ذكرى وصفي

تم نشره في الجمعة 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي

تعودت الكتابة في أمور دينية كما هي الصفحة، ولا يمنع هذا من الحديث عن جانب في شخصية وطنية لعله ندر وجوده بين غيره من الذين تحملوا المسؤولية، والحياة مواقف ومبادئ، ويعيش الإنسان عمرا واحدا ليس إلا، وهو الذي يحدد مصير نفسه دنيا وآخرة، أما الآخرة فبينه وبين ربه سبحانه وتعالى، هو أعلم بالسرائر، وهو الذي وعد بجمع الناس جميعا للحساب، فكلنا واقف بين يديه، لسان حالنا: نفسي نفسي، إلا حبيبنا صلى الله عليه وسلم فلسان حاله، وهو الشفيق الرؤوف الرحيم: أمتي أمتي، من هول ما يحدث في ذلك اليوم الذي لا مفر منه، وكلنا ذاهب إلى الحساب فردا، سيكلمه ربه وليس بينه وبين ربه ترجمان.
أبدأ بهذه المقدمة عن وصفي لأنه تميز، وليس كل الرجال رجالا، خاصة في الذين يتحملون المسؤولية، فإما أن يكونوا على قدرها، أهلا لها، أو أن يتركوها، فلا ينسى المسؤول أنه (اسم مفعول)، وهناك سائل، في الدنيا من يسأله ماذا فعل، وفي الآخرة (وهذا الأهم) سيقف بين يدي الله ليسأله.
لن أحابي أو أجامل، ولا يعنيني في شخصية وصفي أمر الدين، ولا أنه من الذين شاركوا في الجهاد ضد الصهاينة، وأنه ممن أسهم في التنويه والتثقيف ضد التغلغل الصهيوني، وأنه كذلك ممن لم يجامل أنظمة قومية كانت سياساتها تغيير هوية الوطن، كل ذلك لن أقف عنده رغم أهميته، وأتركه لمن هو أكثر تخصصا مني في الشأن التاريخي، ولكنني أقف عند استشعار الرجال للمسؤولية، والنزاهة التي ينبغي أن يتحلوا بها، وأداء الأمانة كما ينبغي، ولعل هذه موجودة في شخص وصفي، رحمه الله.
أزعم أن أحد أسباب خراب الأمم حين يتولى المسؤولية فيها غير الأكفياء المؤهلين، حين يوسَّد الأمر لغير أهله، فإذا كان أبو ذر الغفاري، الصحابي الجليل، قد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم له صراحة: "إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها"، وما هو ضعف أبي ذر؟ يقال إنه كان شديدا في نقده لمخالفيه، فالمسؤولية تقتضي رحابة الصدر وبعد النظر وسعة الأفق، في أن يتحمل بعضنا بعضا، وفي مبدأ (الاستيعاب لا الاستعداء)، ولا أقارن وصفي بأبي ذر، فشتان بين الصحابة وغيرهم من هذه الأمة، يكفيهم شرف الصحبة، وأنهم ممن زكاهم الله تعالى في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنّته، ولكن الله يودع في أشخاص من الصفات ما لا يودعه في غيرهم، وله سبحانه في ذلك حكمة، وربما تكون امرأة أفضل من مجموعة من الرجال، وربما يكون إنسان غير مثقف ولا حائز على درجات علمية أعلم وأحكم من كثير من هؤلاء.
كان وصفي رجل مسؤولية، نزيها، وبالتالي لا بد أن يكون أمينا، فمن مات مديونا لأشخاص بمبالغ قد كتبها هو ووثقها هو، وهي مبالغ زهيدة، يعطينا هذا انطباعا كم كان حريصا على أن لا يسرق ولا يغش ولا يلفّق، هذا فيما له علاقة بالمبلغ البسيط، فما بالكم بما هو أعظم من ذلك، فمن كان عفيفا عز عليه أن تسود ثقافة الفساد بأنواعه، ومن حمل الأمانة لا يرضى أن يكون معه أشباه الرجال يستغلون الفرص للانقضاض على مقدرات الدولة، ومن تحمل المسؤولية لا يرضى إلا أن يرافقه الرجال الذين عشقوا الوطن وانتموا إليه وضحوا من أجله، لا الذين يتحينون الفرص للبحث عن مصالحهم الآنية.
لا نقول إن النساء لم يلدن مثل وصفي، وأنا أزعم أن هناك ألف وصفي وألف هزاع وألف سعد الدين جمعة وغيرهم من الكرماء الشرفاء، وربما أفضل من هؤلاء كلهم، ولكن لم تتح لهم الفرصة، ولا يراد لهم أن يصلوا إلى المسؤولية، لأن وصول الشرفاء يعني بالضرورة إنهاء دور السفهاء، والتاريخ يخبرنا عن دور الظالمين والملأ، الذين لا يريدون من ينغّص عليهم آمالهم وأحلامهم وأهواءهم، وهؤلاء لا يهمهم وطن ولا مواطن ولا عزة ولا نهضة، فطموحهم لا يتجاوز أشخاصهم، وشتان بين من لا يرى أبعد من أنفه، ومن نظره هذا الفضاء الرحب، أصحاب النفوس الكبيرة.
رحم الله وصفي الذي أكد معنى تحمل المسؤولية، وكان قريبا من الجميع، علامته التواضع والانتماء الصادق للأرض والوطن، يغار على الجميع، وهمّه الجميع، وحين تحمل المسؤولية لم يكن متهربا من جزئياتها، أو راضيا بأن تهضم بعضها، بل رجل دولة باقتدار، وليس غريبا أن يقال إن كرسيه ما زال فارغا.
إن الذي يتحمل مسؤولية عامة بقدر مسؤوليته، ويموت حين يموت وهو مدين لأفراد، لهو مثال ندر في هذا الزمن العجيب، الذي إن بقيت الأمور تسير فيه كما هي، فهو نذير خراب حقيقي للأمة، بتفتيت أواصرها وتشتيت مقوماتها، وزرع الشقاق بين أبنائها وبناتها.
رحم الله وصفي الأب والأخ والابن والمسؤول، الذي كان انتماؤه حقا لهذا الوطن ولهذه الأمة، والذي كان ذهنه منشغلا بالأمة والأخطار المحدقة بها، والذي شارك مع غيرها في بناء الوعي، وبناء الإنسان الذي نريده أيضا على الأقل منتميا لأمته، صادقا مع نفسه، ولا بد هو كائن يوما ما، والله الميسر والهادي إلى سواء السبيل.

التعليق