حرية العقل: قيمة إسلامية عليا

تم نشره في الجمعة 7 كانون الأول / ديسمبر 2018. 12:10 صباحاً

 د. هاشم غرايبة

يجادل بعض معادي الدين أحيانا، بأن رفضهم له يعود أساسا الى أنه مُقيِّد لحرية التفكير، معتقدين أنه يفرض على معتنقيه رؤية مقولبة للحياة، مما يحد من الإبداع والإبتكار.
خطأ فكرتهم ناجم من عدم التفريق بين مسألتين: تقديم الإجابة على سؤال (الغيبيات) الذي لا يمكن للعقل الوصول إليه بأدواته الذاتية، وبين فرض إجابة على العقل مخالفة لما يتوصل إليه.
فالعقل لا يملك رؤية لما هو خارج قدراته، بمعنى أنه لا يملك دليلا واحدا ناقضا لأي من مقولات الدين الغيبية مثل يوم القيامة والحياة بعد الموت  والجنة والنار والملائكة..الخ، هو يشك فقط، ويريد دليلا حسياً عليها، لكن ذلك غير ممكن، لأن المبدأ الإيماني (الأساس الذي يقوم عليه الدين) هو التصديق بوجود هذه الأمور بالإستنتاج العقلي ومن دون رؤيتها عيانا، فلو أمكن إدراكها حسيا لما كان من ضرورة للإيمان، فالشمس نهارا مرئية، فلا تحتاج الى إيمان بوجودها، لكنها ليلا مغيبة عن الرؤية، فتحتاج الى الإستدلال بالعقل.
لذا فالمرتكز الأساسي هو الإيمان بوجود الخالق، متى ما تحقق ذلك، يصبح إطار تفكير العقل محددا بمعطيات هذا المفهوم، إذ لا يوجد لما وراء ذلك من سبيل.
هنا تصبح مسألة الفارق بين آفاق العقل المؤمن والعقل الملحد مسألة عبثية، فالآفاق أمام العقلين هائلة الإتساع، لكن العقل ليس مطلق القدرات، فهنالك حدود مادية تحده مهما كانت بعيدة، ومع ذلك لن يمكن للعقل إدراك وجود الله بأدواته المادية الحسية، يمكنه ذلك فقط بأدوات العقل التحليلية كالملاحظة والمقارنة والاستنتاج.
من هنا فمن توسعت آفاق العقل لدرجة باهرة، تمكن من الوصول الى الإيمان بذاته ومن غير معلومة مسبقة، ومن هم دون ذلك، فلا سبيل لهم إليه إلا بالمعلومة المعزولين عن الاتصال بها، الموصل الوحيد لها إلينا هم الأنبياء، الذين تنقل إليهم عبر الوحي.
هكذا يتبين لنا أن العقل هو الوسيلة الأساسية للإيمان، سواء كان ذلك بالاعتماد عليه كوسيلة وحيدة، كما حدث مع "حي بن يقظان" في قصة "ابن طفيل" الفلسفية، أو كان عاملا مساعدا في الإقناع لما جاء به النقل، وعن إيمان بصدق الوحي، والذي لا يوجد أي سبب لأن لا يكون صادقا، فهو مثل أن تدل شخصا قادما لبيتك على العنوان، وخاصة أن قدومه بدافع دعوتك له واشتياقك لوصوله، فلا مبرر إطلاقا لإعطائه معلومة كاذبة.
إذا فالمقولة بأن الدين يفرض على العقل مقولات لا تقبل النقاش خاطئة، ولا أساس منطقيا لها، بعد أن تبين لنا أن العقل أداة الإيمان الأساسية، وبناء عليه فمن يعتمد تلك المقولة الخاطئة، هو الذي يفرض رؤيته المقولبة والتي تفترض أن الدين خرافات وأساطير قديمة وضعها الكهنة والعرافون لجلب ولاء البسطاء لهم.
الحقيقة أن هؤلاء الملحدين الذين يدّعون الفهم والعلم هم من يبتدعون الأساطير والمقولات المسبوكة على مقاس أفكارهم، وهذا هو الدليل:
المتفق عليه بين كل علماء الأحياء، وبلا أي جدال أن الإنسان الحالي هو من سلالة القرود، ومن يقدم بحثا علميا يناقض هذه المقولة يرفض، رغم أنه لا يوجد أي دليل علمي أحفوري يؤكدها، فأقدم جمجمة بشرية بشرية اكتشفت عام 2017 وتعود الى 350 ألف سنة، لا يوجد فيها اختلاف هام عن الإنسان الحالي، ولا يوجد فيها أي تشابه مع جمجمة القرد، حتى أن عالم الأنثروبولوجيا "كريس سترينجر" قال في مجلة "نيتشر": "هذه الجماجم ليست مميزة بما يكفي لتبرير اسم السلالة الجديدة".
فمن أين جاءت هذه المقولة المقدسة عند العلماء؟
يقول عالم الجينات "أناتولي كليوسوف": " إن الشائع والمسلم به عند العلماء، أن فرضية تطور الإنسان الحالي من الإنسان القرد، جاء بها "داروين"، لكن الحقيقة أنه لا علاقة له بها، بل لم يذكر في كتابه كلمة القرد أصلا، من قال بذلك هو "ماركس" ونسبها له ليعزز فكرته في نظريته المادية".
هكذا تأكد لنا كيف أن أصل هذه المقولة أسطورة جاء بها من هو ليس عالما في الأحياء، واتبعها العلماء الذين يكذبون بالدين من غير أن يدققوا في علميتها، لأنها تتوافق مع الهوى الذي يحكم عقول الملحدين.
في المقابل لا يفرض الدين مقولات جاهزة ممنوع مناقشتها، بل يصف أمورا لا يمكننا رؤيتها في حياتنا الأرضية، وهي الغيبيات، أي أنها مغيبة تماما عنا.
وهذه جميعها لا يجدى البحث فيها، إذ ليس لها وجود مادي في الحياة الدنيا، لكن ما ينفع بحثه هو ما يمكننا إدراكه ، في تكوينات النفس البشرية وفي الكون وفي سننه التي وضعها الله (القوانين الطبيعية).
لذلك فهنالك دعوة لدوام اعمال العقل بالتفكر والتدبر بهدف الاكتشاف والفهم والابتكار، وهذا يشمل العناصر الثلاثة التي أوجدها الله لنفع البشر: الآيات القرآنية (المنهج والدستور)، والآيات الكونية ( الأرض والكون والقوانين الناظمة لها)، والآيات التكوينية (خصائص الجسم وتركيبه ووظائفه).  
والدليل على ذلك ورود عشرات الآيات القرآنية التي تحث على استعمال العقل، وتنهى عن الانكباب على الآيات صما وعميانا. 

التعليق