مبادئ القانون الدولي الإنساني في الإسلام

تم نشره في الجمعة 7 كانون الأول / ديسمبر 2018. 12:09 صباحاً
  • تعبيرية

د. أحمد ياسين القرالة

الحرب ظاهرة إنسانية رافقت المجتمعات البشرية منذ وجودها، وقد عانت البشرية من ويلاتها أيما عناء، فكانت سببا لدمار الأوطان وانتهاك حقوق الإنسان وغياب قيم العدالة وانتفاء الرحمة وانعدام الإنسانية، يكتوي بنارها الصغير قبل الكبير والمدني قبل العسكري، ولا يسلم من أوراها إنسان ولا حيوان، وخير شاهد على ذلك ما حصل في الحرب العالمية الثانية التي تجاوز عدد القتلى فيها الخمسين مليون إنسان، هذا فضلا عن الإصابات البشرية والإعاقات النفسية والدمار الذي حل بالأموال والخراب الذي لحق بالممتلكات.
ونظرا لتلك الأضرار والمآسي اتجه العالم للتقليل من آثار الحروب والحد من ويلاتها، فأوجد ما يسمى بالقانون الدولي الإنساني، وهو عبارة عن مجموعة من القواعد التي تهدف إلى الحد من آثار النزاعات المسلحة، وحماية الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال القتالية أو الذين يكفون عن المشاركة فيها.
ويتفق هذا القانون اتفاقاً كاملا مع رسالة الإسلام السمحة وينسجم مع مقاصده العامة ويتوافق مع أهدافه النبيلة؛ لأن الحرب في نظره ليست سوى مجموعة من الأوزار والآلام التي تثقل كاهل البشرية وتعيق حركتها، وتستنزف مواردها وتدمر حياتها، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله:" حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ".
كما أنها عبء نفسي على الإنسان؛ لأنها قتل وخراب وأشلاء ودماء وخوف وإرهاب، فهي مكروهة مبغوضة لا يسعى إليها الأسوياء من الناس، وقد صور القرآن حقيقتها بقوله تعالى:" كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ"، كما نهى المسلمَ عن طلبها والسعي إليها، فقال عليه السلام: لا تمنوا لقاء العدو  وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا .
لذلك لا ينظر الإسلام للحرب إلا على أنها شر لا بد منه، اقتضته الحياة الاجتماعية، وضرورة لا مناص منها استلزمتها الطبيعة الإنسانية، وهو لا يقدم عليها إلا مضطراً مكرهاً لرد عدوان أو مواجهة ظلم أو إنهاء طغيان، قال تعالى:" وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" فالآية الكريمة تنهى المسلمين عن الاعتداء، سواء كان هذا الاعتداء بإشعال الحرب والقتال ابتداءً بلا مبرر ولا مسوغ شرعي، أو بمجاوزة الحد والتعدي أو التعسف في استعمالها وتوظيفها، فالقتال في نظره ليس لقهر الشعوب وإذلالها أو نهب خيراتها واستعبادها؛ ولما كانت القاعدة تنص على أن الضرورة تقدر بقدرها، كان من الواجب اقتصارها على المقدار الذي ترتفع به الضرورة ويزول معه العدوان ويتوقف الظلم والطغيان، ومما يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: انطلقوا باسم الله، وبالله وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلاً ولا صغيراً ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين .
فالحرب تتناقض ابتداء مع رسالة الإسلام السمحة التي جاءت لهداية البشرية واسعادها لا لقتلها وتدميرها، وتتعارض مع مقاصده وغايته وهي الرحمة والسعادة للإنسانية لا الشقاء والعناء ،فكل ما يؤدي إلى توقي الحرب ومنع حصولها، أو يؤدي إلى التقليل من آثارها والحد من آلامها ومآسيها فهو مقصود شرعاً.
لذلك يحرم شرعا مهاجمة الأشخاص المدنيين الذين لا يشاركون في المجهود الحربي من النساء والأطفال والمسعفين وفرق الإغاثة الإنسانية وغيرهم، كما لا يجوز استهداف الأعيان المدنية من مدارس ومستشفيات ودور عبادة وغيرها، ويجب الامتناع والكف عن قتل كل مَن توقف عن القتال وألقى سلاحه، وأوجب الإسلام مداوة الجرحى وتخفيف معاناتهم والإحسان إلى الأسرى واحترام أدميتهم وصون كرامتهم، ودعا إلى إيثارهم بالطعام والشراب، وذلك لا يكون إلا مع سمو النفس وعلو الروح ورفعة الخلق، قال تعالى:" وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا "، وسعى إلى فك أسرهم وتحريرهم فقال تعالى:" فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ".
ومما يدل على احترام الإسلام لكل القوانين التي تسعى إلى حماية الإنسان وصيانته من الأذى توقير النبي عليه السلام لحلف الفضول الذي شهده في الجاهلية، والذي كان يحث على التناصف بين الناس والأخذ للضعيف من القوي حيث قال عنه: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبتُ.
ولم يكن التزام المسلمين بمبادئ القانون الإنساني استجابة لقانون دولي، أو خضوعاً منهم لمعاهدات مبرمة أو اتفاقيات موقعة، إنما كان التزاماً ذاتياً لأحكام الدين وقيمه وخضوعاً لمعاييره ومثله، فالمسلم لا يخرج عن المبادئ التي رسمها الإسلام للحرب والقواعد التي قررها للقتال ولا يتجاوزها التزاماً منه بأحكام دينه، حتى وإن كانت تلك الأفعال مباحة قانوناً وغير مجرمة دولياً، كما أنه لا يتعامل مع قاعدة المعاملة بالمثل على إطلاقها، فهي مقيدة بقيم الدين وأحكامه.

التعليق