نادر رنتيسي

"نظرة فلقاء"

تم نشره في الجمعة 7 كانون الأول / ديسمبر 2018. 12:00 صباحاً

لي صديقٌ ثرثار. لا أقصدُ هنا أنْ أتذمّر، بل إنّ ثرثرته مفيدة حين نمشي على الكورنيش لحرق السعرات الحرارية الفائضة. قبل أيّام طويلة، وفي مفتتح حديث لا مقدمة له قال: "يبدو أنّ الحرب قد انتهت". لم أسأله أيّ حرب يقصد، التي ما تزال محترقة في الشمال أو تلك التي اندلعت لأسباب مجهولة في الجنوب، هناك أيضاً حروب في جهات ليست بعيدة ولا يمكن اعتبارها قريبة، لكنّها ترد في نشرات الأخبار المحلية وتشغلُ الرأي العام عندنا. لكنّي لم أبدِ أي فضول لمعرفة أيّ حرب هي التي قد انتهت، هو أيضاً انتقل إلى حوار آخر.
قال بعد أنْ حرقنا مائة وخمسين سعرة: "شكلُ الحبِّ (أيضاً) تغيّر". و"أيضاً" كانت تفيدُ أنّه ربّما قال كلاماً كثيراً قبل أن يخلص إلى النتيجة الحاسمة التي أكدْتُها بهزّ رأسي، مع زيادة في إيقاع المشي. لم أندم بالطبع لأن كلاماً مهماً أو غير مهم قد فاتَني، فالنتيجة واحدة، قالَها بحسم: "شكلُ الحبّ (أيضاً) تغير"، فمن أدب الاستماع أنّ أهز رأسي، وقد هززتْ، وأن أكرّر الجملة الأخيرة، وقد كرّرتْ، وأن أُخرج هواء مُندَهشاً من فمي، وقد أخرجت، وأن أضرب جبيني بكفي، وقد ضربت، ثم رأينا عاشقين يحرقان سعرات حراريّة، علّق صديقي الثرثار بأنّ الحبّ الذي تغيّر قد تسبّبَ بها.
أخبرَني (صديقي الثرثار أيضاً) بقصة فيلم لبنانيٍّ: مُصوِّرٌ تضعه الظروف السينمائية غير المنطقية في حبِّ شقيقتين. جرت أحداث كثيرة قبل هذه العقدة، لكنّي أغفلتها بعدِّ السعرات الحرارية المحروقة، ومراقبة امتداد المدِّ، والنظر القصير نحو امرأة تعدو أمامنا بسرعة غير مبرّرة، كأنّها تتفادى مصادفة حُبٍّ أو ردّ الابتسامة لعابر، ولا أنكر أنّ رائحة الذرة المشويّة قد سرقتني من أحداث من قصة الفيلم المسروق. كان صديقي الثرثار، عندما وصلنا السُعرة الثلاثمائة، يروي لي نهاية الفيلم المفتوحة على التأويل: الشقيقة المخدوعة تستفيقُ من الكوما.. لم أشعر بالذنب لأنّ القصة قد فاتتني، المهمُّ أنّ الفيلم قد انتهى، كما يبدو أنّ الحرب قد انتهت.
وصلنا نقطة العودة. قال صديقي إن الكورنيش له فلسفة رائعة. وشرح لي ذلك، واستمعتُ لأول مرّة باهتمام. تابَع: الكورنيش يتيح لكَ رؤية الأحداث والأشياء مرتين برؤيتين في زمن واحد، والكورنيش (واصل صديقي المديح بحماس حتى ظننتُ أنّ الكورنيش ملكيّته ويعرضه للبيع) هو شكلُ الحب.. ثمّ انصرفتُ عن الاستماع لما وجدتُ أنّ صديقي فقد القدرة على الإقناع، ورأيتُ المرأة التي تعدو، وجهاً لوجه هذه المرة، لم تكن تتفادى الحبَّ كما ظننتُ في الذهاب، فقد ردّت الابتسامة بأحسن منها، وفي نصف دقيقة كُنّا قد عبرنا الحبّ بالخطوات التي حدّدَها "أحمد بيك شوقي": نظرة، فابتسامة، فسلام، فكلام، فموعد، فلقاء..
قبل أيّام قصيرة نشبت الحرب التي انتهت. كنتُ هنا على الكورنيش برفقة المرأة التي كانت تعدو، نحرق سعرات حرارية تسبّبَ بها الحب.

التعليق