مجرد كلام عند من لا يدركون معنى الكلام

تم نشره في الجمعة 7 كانون الأول / ديسمبر 2018. 12:09 صباحاً

كلما كان المنهاج والكتاب المدرسيان أكثر تفصيلاً أضعفا دور المعلم/ة في المدرسة التي يقوم فيها المعلم /ة بدوره كاملاً، وأشغلا التلاميذ والتلميذات بالحفظ والتذكير والاسترجاع في الامتحان. وبالعكس يفرضان على المعلم/ة إغناء المنهاج والكتاب، وتوسيع دور التلاميذ والتلميذات في البحث والاستقصاء لاستكمال الصورة، والفهم ولعله أهم مهارة لازمة للتعلم.
واليوم في عصر الإنترنت وبخاصة في عصر غوغل والهاتف الخلوي صار بإمكان التلاميذ والتلميذات - بدءا من المرحلة الابتدائية العليا - تأليف الكتاب المدرسي أولا بأول حسب ما هو مطلوب في المنهاج. وبهذه الواسطة يبلغ الفهم عندهم أقصاه، وذاكرتهم أطولها مدى.
يدعو كل من يتحدث في شؤون التربية والتعليم بحكم الاختصاص أو الخبرة إلى تعليم حل المشكلات ولكن دون بيان الكيفية، ولذلك لا يتعلم التلاميذ والتلميذات هذا الحل، وربما يستمر هذا الجهل في الجامعة أيضاً. إذ لو كان معمولا به لوجدناه يعمل في كل وزارة أو إدارة، وموقع.
إن حل المشكلة يفرض تحديدها أولا وهو أمر صعب جداً: ما المشكلة بالضبط في زرقاء ماعين التي راح ضحيتها أكثر من عشرين طفلاً وفرداً؟ وما المشكلة بالضبط في التربية والتعليم؟ وما المشكلة بالضبط في النقل، أو الصحة، أو الجمارك، أو الأمن، أو الاقتصاد، أو المشكلات؟ هل يستطيع أحد من المختصين أو الخبراء تحديدها لنا بالضبط لنحلها، وبحيث تنتهي المشكلة/ المشكلات (ويأتي غيرها)؟ إن تحديدها بدون بحث دقيق أو بصورة فضفاضة لا يؤدي إلى حلها بنجاح تام.
وأضاف صاحبي : لقد رأيت ذلك بنفسي وفي أبسط الأمور، فقد أخذني صديقي معه إلى كراجات تصليح وصيانة السيارات في وادي السير لتصليح راديو سيارته. كان يصف المشكلة لهم أي ما يعتقد أنه عطل فيه فلا يفهمون عليه. قام أول واحد من الكراجات بالضرب بيده فوقه وحوله لتصليحه، وقال له: لقد صلح ولكنه لم يصلح، فذهب إلى الثاني فقال له: إنه بحاجة إلى فك فلم يوافق صاحبنا على ذلك لأنه مختص في الفيزياء، فذهب إلى الثالث فقال له: إن العطل موجود في إحدى السماعات وقد تبين أنه المشكلة، وسرعان ما حلّت.
انظر كم قضى صاحبنا من وقت وجهد لتحديد هذه المشكلة البسيطة فكيف – بالله عليكم – يمكن تحدد المشكلة في الشؤون العامة ونحن جالسون على كراس. أي دون القيام مسبقاً بإجراء البحوث العلمية اللازمة لتحديد المشكلة، وكيف نعلم الطلبة في الجامعات حل المشكلات دون تدريبهم على البحث العلمي لتحديدها؟
والأمر نفسه يتعلق بتعليم التفكير الناقد الذي يكرره كل تربوي وكل خبير تربوي وكل متحدث في التربية، دون أن يحدد واحد منهم هذا التفكير، ومم يتكون، وكيف ينشأ ويعلم ويمارس.. لطالما حاولنا وغيرنا ذلك ولكن أحدا لم يتوقف عنده في المدرسة لفهمه ومعرفته والتدرب عليه.
*****
الحاضنة الأولى للابتكار والابداع هي الأسرة، وبما أنها في مجمل المجتمعات العربية متخلفة – نسبيا – فإنها لا توفر لهما الفرصة، فكان الأمل ان تقوم المدرسة بالمهمة، أي أن تصبح هي الحاضنة، ولكنها للأسف لم تنجح في ذلك، فكان الأمل أن تقوم الجامعة بالمهمة، ولكنها للأسف لم تنجح بالمستوى والكم المطلوبين، فأملنا أن يقوم الاقتصاد (الجديد) بذلك ولكنه لم يفعل.
أما السبب العام لعدم انطلاق الابتكار والإبداع في المجتمع/ الدولة فهو التربة الفقيرة/ غير الصالحة لهما، فالمجتمع العام لا يشجع عليهما وقلة قليلة من الأسر المتفوقة مثل أسرة الدكتور باسم الدجاني تقوم بذلك.
أمامنا مشوار طويل لأن النهضة الشاملة في المجتمع العربي لم تنطلق وعصر التنوير فيه لم ينبثق ليولد الابتكار والإبداع. إننا نجتر الماضي بعجره وبجره، ونتذابح في الحاضر، ونغلق الباب على المستقبل، بقفل عورة التفكير الناقد والمبتكر، والمبدع، والفلسفة.

التعليق