الاعتماد المتبادل الأكيد

تم نشره في الاثنين 3 شباط / فبراير 2014. 03:29 صباحاً

أليخاندرو ليتوفسكي ومايكل شيفر*

أثناء فترة الحرب الباردة، كان اليقين من "التدمير المتبادل المؤكد" كفيلاً بتوجيه سباق التسلح النووي بعيداً عن الكارثة؛ فكل من يفكر في شن هجوم نووي يدرك تمام الإدراك أنه سوف يواجه انتقاماً فوريا، وهو ما من شأنه أن ينتهي حتماً إلى إبادة الجانبين.
واليوم، يشهد العالم سباقاً مختلفاً تماما: السباق على موارد الأرض الحيوية، والذي يهدد بتقويض الاستقرار في مناطق رئيسة من العالم. والواقع أن اعتماد البلدان المتزايد على بعضها بعضا لتوفير الغذاء والمياه والطاقة، يتطلب رفع الاستجابة العالمية لقضية الاستدامة إلى أعلى مستوى سياسي.
خلافاً لسباق التسلح النووي في القرن العشرين، فإن أجندة أمن الموارد ليست أحادية البُعد. فقد كان الدمار المؤكد المتبادل من الأمور المعترف بها صراحة أثناء الحرب الباردة في تصريحات الجانبين. أما في السباق على الموارد، والذي يحدد معالم القرن الحادي والعشرين، فلن تجد أي طَرَف بهدد بشكل مباشر أو غير مباشر أطرافاً أخرى بقطع الصادرات من الغذاء والطاقة، ولكن كل الأطراف تتحمل المخاطر الشاملة.
لقد أصبح الترابط المتبادل حتمياً بين بلدان العالم. والواقع أن تغير المناخ، ونُدرة المياه، وخسارة النظم البيئية لمرونتها وقدرتها على الصمود، من الأمور التي تزيد من تقلب هذا الاعتماد المتبادل. وفي عالم يتسم بالموارد المحدودة والنادرة، فإن البلدان والشركات تضطر إلى اتخاذ قرارات تؤثر على أمن بعضها بعضا.
ومن أجل توجيه هذا النوع من الترابط، فإن مؤشر أمن الأرض للعام 2014، والذي أنتجته مبادرة أمن الأرض، يُظهِر نقاط الضعف المجمعة لدى البلدان، والتي قد تزيد من تعرض الحكومات والشركات للمخاطر، ما لم يتم تبني نهج أكثر استراتيجية، وتوجيه الاستثمارات المستدامة إلى مكانها الصحيح.
ويحدد مؤشر أمن الأرض أربعة مجالات من الاعتماد المتبادل، من المرجح أن تشكل الأمن العالمي في العقود المقبلة:
- نقاط الاختناق: إن تلبية الطلب المتزايد من قِبَل البلدان المختلفة على الطاقة والمياه والغذاء والأرض، تصبح في حكم المستحيل من دون اللجوء إلى إجراء مقايضات بين الموارد المتاحة المحدودة. ويكون بلوغ نقاط الاختناق عندما تكون الموارد المتاحة غير كافية لتلبية الطلب. وفي الصين والهند على سبيل المثال، يعني هذا أن المياه قد لا تكون كافية في مناطق بعينها لإدارة محطات الطاقة الحرارية التي تعمل بالفحم، ولري الحقول الكبيرة لزراعة المحاصيل في الأمد القريب. والواقع أن 60 % من محطات الطاقة المخطط لإنشائها في الصين سوف تقام في مناطق تعاني من نقص المياه.
- الغذاء: إن اعتماد كثير من البلدان، بشكل متزايد، على الواردات من الغذاء والمياه والطاقة، يعمل على خلق فرص جديدة للتجارة والاستثمار، ولكنه أيضاً يعرض البلدان لنقاط ضعف حرجة. فأستراليا على سبيل المثال، من أكبر البلدان تصديراً للفحم، لكنها تستورد أغلب احتياجاتها من الوقود المكرر، ولا تحتفظ بمخزون يكفيها لأكثر من ثلاثة أيام من الوقود. وتصبح تحديات الاعتماد المتبادل حادة بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالغذاء. فكما يُظهِر مؤشر أمن الأرض، فإن بعض البلدان -بما في ذلك مصر، وبيرو، والإمارات العربية المتحدة- تعتمد بشكل كبير على الواردات من الحبوب من عدد قليل من الموردين.
فضلاً عن ذلك، فإن تعرض البلدان الموردة للحبوب لأحوال جوية قاسية، قد يهدد قدرتها على إدامة الإمدادات. وهو ما من شأنه أن يخلف تأثيرات مؤلمة على البلدان المعتمدة على الاستيراد. ففي العام 2010 مثلا، فرضت روسيا حظر التصدير على القمح في أعقاب موجة جفاف شديدة. ويُعتَقَد أن زيادة أسعار الغذاء الناتجة عن ذلك لعبت دوراً كبيراً في اندلاع الثورة في مصر.
- ترابط أنماط الطقس المتباعدة: إن توقع المخاطر البيئية سوف يشكل أهمية متزايدة بالنسبة لقطاعات مثل إعادة التأمين، والاستثمارات في البنية التحتية. ويشير ترابط أنماط الطقس المتباعدة إلى الظواهر الجوية المترابطة على مسافات جغرافية واسعة. وهي معروفة جيداً كعلم، لكنها لا تناقش على النحو اللائق بواسطة الصناعات والمستثمرين والحكومات التي يعتمد أمنها على الاستقرار البيئي.
على سبيل المثال، تؤدي الغابات الاستوائية المطيرة وظيفة بالغة الأهمية في الحفاظ على ا ستقرار الطقس وهطول الأمطار، فتعمل كمضخة تساعد الرطوبة على السفر بين المناطق المختلفة. وبالتالي، فإن إزالة الغابات قد تؤدي إلى زعزعة استقرار أنماط الطقس، وتضخيم وتيرة وشدة الأحداث المتطرفة، مثل الفيضانات والجفاف.
والواقع أن مسؤولية بعض الصناعات الرئيسة والقطاع المالي هنا واضحة. ففي البرازيل، على سبيل المثال، تباطأت عمليات إزالة الغابات في الأمازون بشكل كبير على مدى الأعوام الخمسة الماضية. ولكن البرازيل فقدت بالفعل أكثر من 11 مليون هكتار من الغابات المطيرة؛ كما ارتفع تعرضها لأحداث الطقس المتطرفة بشكل مطرد، مع تسبب الفيضانات في خسائر بلغت 4.7 مليار دولار في العام 2011 وحده.
- اختناقات إنتاجية الأراضي: لقد بلغت الأنظمة الزراعية الحدود القصوى للموارد تقريبا. وتتسبب الثغرات الإدارية المستمرة في تهديد قدرتها على ضمان الأمن الغذائي، وسبل العيش الكريم والإشراف البيئي. وتواجه الشركات والمستثمرين والحكومات والمجتمعات سلسلة من الحواجز الحرجة التي تحول دون القدرة على زيادة توافر الغذاء الذي يحتاج إليه العالم: ملكية الأراضي غير الآمنة للسكان المحليين؛ وانحسار منسوب المياه الجوفية نظراً لمعدلات الاستخراج غير المستدامة؛ وعدم كفاءة استخدام المدخلات الملوثة مثل الأسمدة والمبيدات الحشرية؛ وخسارة النظم البيئية الحيوية على النحو الذي يؤثر على مرونة الإنتاج الغذائي؛ وعجز بعض المناطق عن التكيف مع أحداث الطقس المتطرفة.
في بعض مناطق الهند مثلا، تتجمع كل هذه العوامل في ذات الوقت. فتعمل حيازة الأراضي بشكل غير آمن كعامل مثبط لصغار المزارعين، يمنعهم من الالتزام بالاستثمارات المعززة للإنتاجية. وتعمل معدلات استخراج المياه على استنزاف المياه الجوفية نتيجة للسياسات المتساهلة؛ ويظل الأمن الغذائي حلماً بعيد المنال بالنسبة لملايين من المواطنين، برغم النمو الاقتصادي السريع في المناطق الحضرية. وسوف تحتاج البلدان والشركات على نحو متزايد إلى الاستثمار في الأراضي المستدامة، من أجل التصدي للمخاطر المرتبطة بالموارد.
في العام 2015، من المقرر أن يتم الاتفاق على أطر عالمية لمعالجة تغير المناخ، وتنسيق الاستجابات للكوارث الطبيعية، وتوجيه أجندة التنمية العالمية. ويبدو أن بعض هذه العمليات المتعددة الجوانب -وبشكل خاص تلك التي تسعى إلى التوصل إلى اتفاق مناخي عالمي طموح- تتحرك ببطء شديد، وضد رغبة مصالح جيوسياسية بعينها.
في الماضي، كانت الحجة الداعمة للحوكمة النووية العالية المستوى عاجلة وواضحة، ولكنها تطلبت عدة عمليات لتكوين فهم مشترك للمخاطر والفرص عبر الحدود الوطنية. وتستمر الاستجابات المتعددة الأطراف الناجحة، مثل معاهدة منع الانتشار النووي، في الحصول على الدعم من قِبَل منصات عالمية أكثر مرونة، مثل مبادرة التهديد النووي، استناداً إلى العلاقات وأواصر الثقة التي بنيت خارج صندوق التعددية الرسمية.
في عامنا هذا، وفيما يناقش زعماء العالم الجيل المقبل من الاستدامة والتنمية والأطر المناخية، فمن الأهمية بمكان أن يضعوا أمنهم واعتمادهم المتبادل في القلب من أي استجابة يتفقون عليها. وهنا أيضا، ينبغي على العالم أن يعمل على إنشاء منصات غير رسمية مكملة للتعددية التقليدية. وبشكل خاص، لا بد من إعادة النظر في التقسيمات العتيقة البالية بين البلدان الغنية والفقيرة ومسؤولياتها.
وفي حين تحاول القوى الجديدة مثل الصين والبرازيل والهند وغيرها من اقتصادات مجموعة العشرين، إصلاح نظم الإدارة العالمية، فإن تعرضها لأمن الموارد لا بد أن يعمل على تنشيط هذه العمليات. وآنئذ فقط يصبح العالم على المسار الصحيح، نحو تحسين الأمن من أجل الجميع.

*أليخاندرو ليتوفسكي هو مؤسس مبادرة أمن الأرض ورئيسها التنفيذي. ومايكل شيفر هو رئيس مؤسسة "بي إم دبليو"، وشغل سابقاً منصب سفير ألمانيا إلى الصين.
خاص بـالغد، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق