العلاقات السنغافورية الأردنية تؤكد قدرة الدول الصغيرة على البقاء

تم نشره في الاثنين 24 شباط / فبراير 2014. 12:00 صباحاً

كيه. كيسافاباني*

تجيء زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني لسنغافورة، بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية مع الأردن، في الوقت المناسب، لتقييم ما يجعل العلاقة بين البلدين بالغة الأهمية. وباختصار، تشكل علاقاتنا الثنائية شهادة على قدرة الدول الصغيرة على البقاء، بل وحتى الازدهار بين جيران أكبر، في عالم لا يمكن التنبؤ بوجهاته.
لوصف هذه القدرة، تحدث الباحث والمفكر مايكل يفر، عن استثنائية سنغافورة. وبالنسبة لي، نجحت سياستنا الخارجية لأنها قائمة بطريقة استثنائية على وعي دقيق بضعفنا كدولة-مدينة. لكن ذلك يشكل نصف القصة وحسب. أما النصف الآخر، الأكثر أهمية، فهو الكيفية التي تمكنت بها سنغافورة من تحويل محدودياتها إلى نقاط قوة. وقد فعلنا ذلك من خلال انفتاحنا الاقتصادي على بقية العالم، بما في ذلك القوى الصناعية الكبرى، الولايات المتحدة واليابان.
وعمل انفتاح هذه الدولة على تمكينها من تخطي شروط المنطقة القريبة المباشرة، التي لم تكن ودودة تجاه آفاقها بعد الاستقلال.
ولا تستند دبلوماسيتنا إلى الأسس الاقتصادية السليمة فحسب، وإنما تستند إلى قدرة الردع، التي تتمتع بها القوات المسلحة السنغافورية أيضاً. وقد مكننا هذان العاملان معاً من التعامل مع جيراننا من موقع الثقة. وتشكل الثقة بالنفس عاملاً رئيسياً في تشكيل العلاقات الصحية، التي كانت ستتلون، بخلاف ذلك، بعنجهية الدول الكبيرة، وانعدام الأمن في الدول الصغيرة.
من جهته، اتبع الأردن سياسة مماثلة، لتقوية علاقاته مع الدول من خارج المنطقة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، من أجل تحقيق الاستقرار في علاقاته مع جيرانه، وخاصة المملكة العربية السعودية وسورية والعراق. وتشكل الأولى مولّد الطاقة الاقتصادي للعالم العربي، ومكمنا مهما للقوة العسكرية فيه. وكانت كل من سورية والعراق تشكلان قوى عسكرية استثنائية في المنطقة، قبل أن تنهارا بفعل الحرب والصراعات الأهلية. واليوم، أصبحت هاتان الدولتان بؤرتين للتمرد، حيث يحاول المتدينون المتطرفون والإرهابيون جرهما إلى مدار التأثير الدولي الغادر، الذي يعملون فيه. ويتعرض الأردن، شأنه شأن سنغافورة، للتهديد من جهة الإرهابيين والمتطرفين. وهدفت سياسته إلى تقوية المؤسسات الدينية المعتدلة للحد من الجاذبية القاتلة للأيديولوجيا التطرفية.
بذكاء كبير، تمكن الأردن من حماية مصالحه عن طريق عولمتها، بحيث لا يكون رهينة لشروط إقليمه القريب. ويحمل هذا التوجه شبهاً قوياً برفض سنغافورة أن تكون محجوبة بجوارها القريب أيضاً.
كان أحد التطورات التي شكلت مصلحة خاصة لكلا البلدين، هو التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة السنغافورية-الأردنية، ومعاهدة الاستثمار الثنائي بين سنغافورة والأردن، العام 2004. وقد دخلت الاتفاقيتان حيز التنفيذ في العام التالي. وشكل ذلك أول اتفاقية تجارة حرة بين سنغافوره وبلد شرق أوسطي، وأول اتفاقية للأردن مع بلد آسيوي.
لقد اتبع كلا البلدين سياسة خارجية براغماتية، بما في ذلك في المجال الاقتصادي، لأن لديهما شيئا مشتركا: عدم وجود الموارد الطبيعية. ومن دون نفط يُعتمد عليه، اتبع الأردن مساراً اقتصادياً يمكن أن يجعل القوى الإقليمية والعالمية تأخذه على محمل الجد، بحيث تطور مصلحة في بقائه. ولدى سنغافورة معادلة مماثلة لميزان القوة، والتي عملت بشكل جيد أيضاً.
على الجبهة المحلية، جعل غياب الموارد الطبيعية كلا البلدين يركزان على مواردهما البشرية. ولا يشكل التعليم في سنغافورة مجرد تمرين في خلق النخب: إنه يشكل مصلحة قومية محورية وأساسية، لأن السكان المتعلمين فقط هم الذين يستطيعون الاستفادة من فرص العولمة. ولا يدين السنغافوريون لأحد بلقمة عيشهم إلا لأنفسهم.
إنني أشعر بارتياح كبير لحقيقة أن الأردن نسج على منوال تميز سنغافورة في التعليم، خاصة في التعليم التقني والمهني. وبدعم من اتفاقيتنا للتجارة الحرة، أقامت سنغافورة والأردن مركز تدريب مهني إقليميا بجوار العاصمة عمان في العام 2007، للمساعدة في تدريب القوى البشرية اللازمة لخدمة قطاع البناء في البلد، تحت إطار عمل الحوار بين آسيا والشرق الأوسط.
لعل مما يساعد أن اللغة الإنجليزية ليست مهملة في الأردن، وإنما يُنظر إليها على أنها بمثابة جواز سفر إلى عالم معولم. وفي الوقت نفسه، تزدهر العربية كعلامة لغوية رئيسية للهوية الوطنية الأردنية، على نحو يماثل حفظ اللغات الأم والاحتفاء بها في سنغافورة.
ثمة نقطة أخيرة، هي الطريقة التي تصالح بها الأردن وسنغافورة مع الديمقراطية. فعلى نحو يشبه كثيراً تجربة سنغافورة مع السيد لي كوان يو، يشكل الأردن المعاصر نتاجاً لمثال الملك الحسين، الذي حكم بيد عادلة، وإنما حازمة، حتى وفاته في العام 1999.
من بعده، اعتنق نجله، الملك عبد الله الثاني، تقاليد العائلة الهاشمية في الحكم لمصلحة الشعب، لكنه سعى إلى تخفيف وسائل والده الحازمة، عن طريق مد اليد إلى الشباب والجماعات الأخرى، التي تمثل مستقبل الأردن. ويقوم تحرير الاقتصاد الجاري في الأردن الآن على تقوية قوى التقدم، ويضع أسساً راسخة للمزيد من التحرير السياسي.
تظهر العلاقات الدافئة بين الأردن وسنغافورة، أن البلدين ربما يكونا متباعدين جغرافياً وثقافياً، لكن حقائق العلاقات الدولية تبقى هي نفسها في كل مكان. ولعل الأهم هو ما إذا كان بوسع الدول الصغيرة أن تجعل من هذه الحقائق تعمل في مصلحة أمنها وازدهارها في نهاية المطاف.



* السفير غير المقيم لسنغافورة في الأردن.

التعليق