موفق ملكاوي

الانتحار احتجاجا

تم نشره في الجمعة 28 شباط / فبراير 2014. 12:05 صباحاً

لا أملك اليقين الكافي لكي أفتي بنسبة صدقية أولئك الذين يلجأون إلى محاولات انتحار علنية احتجاجا على ظروف معيشية معينة.
لا أملك اليقين الكافي لأقرر حول مدى صدقيتهم في اتخاذ خطوة واحدة لإنهاء حياتهم، ما دام أنهم يحتجون طلبا لحياة كريمة، ويريدون الارتقاء درجة إلى الأعلى.
لكن الأمر يمكن أن يشير إلى السيكولوجية التي تحكم أفعال المستضعفين الذين لا يملكون هامشا مريحا للتحرك في الحياة، لذلك نجدهم يلجأون إلى أفعال "صادمة"، لجرّ وعي المجتمع إلى وجودهم، وإجباره على التفاعل معهم، والتعاطف مع معاناتهم.
في انتحاره التراجيدي، مثّل التونسي محمد البوعزيزي، إلى جانب ما أعلنه من حالة بطولية شعبية، حالة "انهزامية"، لم يستطع خلالها مواجهة شرطية وجهت إليه إهانة علنية. وهو بخياراته المحدودة، لم يكن قادرا على مواجهة "سلطة مطلقة" منحتها الدكتاتورية العربية لكل من يعمل لمصلحتها.
صحيح أن موت البوعزيزي ألهم ملايين الشبان حول العالم، ليتخذوه رمزا نضاليا على غرار رموز النضال العالمي، ولكن الحقيقة أن فعل البوعزيزي نفسه لم يكن إلا صورة من الانهزامية واليأس من القدرة على مواجهة الواقع أو التغيير الإيجابي. وللمرة الثانية، لا أملك اليقين الكافي لأقرر حول مدى جديته في أن تكون تلك الخطوة تقريرا حقيقيا لإنهاء حياته، أم أنه أراد لفت الأنظار إلى المعاناة الشخصية له في مواجهة السلطة الدكتاتورية التي لا تمنحه حق تقرير مصيره، حتى في تجارة بسيطة لا تتعدى بضاعة فوق عربة مدفوعة باليد.
محاولات الانتحار احتجاجا باتت تتكرر كثيرا في الآونة الأخيرة، أغلبها لا يخرج عن كونه محاولات للفت أنظار المجتمعات إلى حالات من المعاناة، والفقر، والاضطهاد؛ وأخرى عبثية لا تمتلك تأشيرا حقيقيا على مشكلة معينة، بل كانت أقرب إلى الاحتجاج على تقصير شخصي، أو فشل في تحقيق الذات.
في الأردن، نجد أن النموذج السائد هو التعبير عن "الاستجداء". فقد تم تسجيل عشرات محاولات الانتحار العلنية، كثير منها كان أقرب إلى "الاستجداء"، خصوصا أنها تلفت الأنظار إلى الفقر والظروف المعيشية الصعبة لأصحابها. ورغم أن مجمل الظروف المعيشية للمواطن ينبغي أن يكون من شأن الدولة، إلا أن كثيرا من تلك الحالات، لو أنها خضعت للدرس والتمحيص، فستتكشف عن ذهنية انتهازية، تتاجر بالكسل لمصلحة كسب القليل من غير تعب.
محاولات الانتحار العلنية احتجاجا على ظروف معيشية، قد يكون بعضها حقيقيا حين يخبو الضوء من عيني رب أسرة لا يستطيع تأمين كفاية عائلته، ولكن معظمها متاجرة وكسل وانتهازية، وهي عكس الحالات الانهزامية التي تم التأشير عليها أولا.
لقد رأينا كيف أن من انتحروا؛ في الماضي والحاضر، نفذوا ما أرادوه بصمت، وبعيدا عن الأعين، لأنهم اعتبروا أن ما يقومون به فعل شديد الخصوصية. ولكننا رأينا محاولي انتحار أشبه بمؤدّي السيرك، كلما زاد الجمهور، ازدادت وتيرة التمثيل.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شر البلية ما يضحك! (...)

    الجمعة 28 شباط / فبراير 2014.
    صدقت, باتت محاولات الانتحار في تفشي.. يريدون نسيان الحياة ومشقاتها .. بعدة وسائل مقززة ... لكنهم لا يعلمون بأن الحياة هي الحياة, مهما كان الوضع قاسيا ...ستفرج ذات يوم .. صدقا شر البلية ما يضحك!