بقالة أبو الزلف العتيقة شاهدة على ذكريات أهل مادبا بحلوها ومرها

تم نشره في الجمعة 7 آذار / مارس 2014. 01:00 صباحاً
  • فؤاد أبو الزلف في دكانته في مادبا- (الغد)

أحمد الشوابكة

مادبا- يقف السبعيني فؤاد سليمان أبوالزلف واحداً من أقدم التجار في مادبا، إن لم يكن أقدمهم جميعا، في دكانته التي ما تزال تنادي ذلك الزمان البعيد، وتحمل مع الرجل كل الذكريات، بحلوها ومرها.
دكانة أبوالزلف الشاهدة على من مروا على قلب سوق مدينة مادبا القديم، ما تزال تحتفظ بطرازها المعماري العتيق منذ أن استأجرها والد فؤاد الذي قدم إلى مادبا من مدينة عين كارم بفلسطين، كما أنّ الرفوف التي صنعها أقدم حدادي المدينة ما يزال عمرها يقاوم الزمن، مع إدخال بعض التغييرات البسيطة بما يتناسب ومتطلبات العصر.
سطور حكاية فؤاد أبوالزلف خطت بمدينة مادبا في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، لحظة والده الراحل سليمان أبوالزلف، ليجد من مدينة مادبا موطناً له، "يُلقّط" فيه رزقه ورزق أولاده.
عمل فؤاد مع والده في تجارة الخضراوات عشر سنوات، وفكر والده بعد ذلك في فتح بقالة في قلب سوق مدينة مادبا القديم، الذي كان وما يزال عصب وشريان الحركة التجارية والشرائية.
تشرّب فؤاد مهنة أبيه، فأدار وشقيقه الأصغر سمير البقالة، وتحمل معه مشاق وصعوبات تلك الأيام؛ إذ كان يحمل على كتفه (شوالات) السكر والأرز والعدس التي يصل وزنها إلى 50 كيلوغراما. ورغم ذلك، اعتاد هذا الرجل "الجبار"، نحيل القامة، على هذا العمل، إلى أن امتلك فيما بعد بقالته الخاصة، يسانده شقيقه، وأبناؤه وأبناء أخيه.
ويحزن أبوالزلف كثيراً على تلك الأيام التي كلما استذكرها غرق في حلاوتها وضنكها؛ إذ كان يسري باكراً إلى الدكان، يرافقه شقيقه الأصغر، حيث ينتظرهما والدهما على جمر، لأنه يحتاج إليهما. ومع قسوة الحياة والحرمان من التنعّم بها في خضمّ انهماكه المتواصل في العمل، ما يزال أبوالزلف يرى مهنته في تلك الأيام نابضةً بالحياة، "لن تلحق بها أيامنا هذه، مهما تغلّفت بالمغريات" كما يقول.
ويردف "كان الناس يتحابون ويتآلفون، وكأن بينهم رباط أو وثيقة شرف في التكافل. كان الناس آنذاك يصدقون في المواعيد، فقد كان الضمان هو كلمة الشرف، "كان الرجل ينمسك من لسانه!"، منوها إلى أنه "في تلك الأيام كنا نوزّع الصحف، لقد ظلت صحيفتا "الدفاع" و"الصباح" تصدران حتى مطلع الستينيات".
ويقول أبوالزلف "كانت الدكانة متنفّساً طبيعياً لوجهاء المدينة، الذين كانوا يتجمعون ليقرأوا فيها الصحف، وفي خضمّ القراءة كانوا يتناولون مواضيع عدة".
وينوه إلى أن السوق القديم كان فضاء للبيع والشراء، والتعاملات بين الناس، مضيفا "هذا السوق كان يقترب من موقع السرايا الحكومية القديمة، أو "الحكمدارية". فقد كانت هذه الأخيرة تستخدم محكمة لفترة طويلة، ثم تحولت إلى مركز أمن المدينة، لتصبح فيما بعد متحفاً تابعاً لوزارة السياحية".
ويؤكد أبوالزلف قائلا "أنا وشقيقي الوحيدان اللذان حافظا على مهنةٍ ورثناها منذ سنين، ونحن من بين تجار يمتلكون محالاً لبيع المواد الغذائية بالجملة".
ويعود أبوالزلف إلى أن تفاصيل مهنته في هذه الدكانة العتيقة؛ إذ يقول "كنا نبيع القمح والشعير، بعد أن نشتري هذه الحبوب من مزارعي المنطقة، وكنا نستخدم مكيال (الصمد) وسعته 12 كيلوغراما من القمح، و10 كيلوغرامات من الشعير؛ إذ كان يباع القمح للمستهلك آنذاك بسعر 3-10 قروش للصمد الواحد".
كما كان من بين المعروضات على رفوف الدكانة، كما يقول أبوالزلف "الحلويات المصنعة من السكر وكانت تسمى "حامض حلو"، وكان من أبرزها "الكعكبان" الذي كان يباع على شكل صفائح، ووزن كل منها يساوي أوقية من الرطل الشامي، وهو ما يعادل 200 غرام في أيامنا هذه".
وكانت القطعة تباع بنصف قرش أو أكثر قليلا، كما يقول، وبحسب حجمها، بالإضافة إلى حلويات "الراحة الشامية" المعطرة، و"أبوشعر" الذي هو نوع من "التوفي"، والحلاوة، وقمر الدين، وخسف البلح.
وكان السكر، وفق أبوالزلف، يصنع ويباع بأشكال هندسية، منه ما يكون على شكل مخروط، وكانوا يسمونه "محقان"، ولكل وزنه الخاص، إضافة إلى ذلك، سكر "الداش" الذي كان على شكل مربعات صغيرة.
وكان التجار آنذاك، بحسب أبوالزلف، يبيعون سروج ولوازم الخيل والدواب التي كان يصنعها أبناء منطقة مادبا، ولوازم ما يسمى بـ"الكيف"، أما القهوة فكانت من أجود الأنواع، وكانت تباع بـ5 قروش للرطل الواحد، وكذلك الحال لبيع البهارات.
وللمدخنين قصة أخرى مع دكان أبوالزلف؛ إذ يبين أبوالزلف أنهم كانوا مغرمين بدخان (الهيشي)، فقد كان هذا النوع يُزرع في المنطقة، إضافة إلى الدخان الشامي الأشقر.
أما السجائر المصنعة التي كانت تباع في المحل، فهي ما تزال في ذهن أبوالزلف؛ إذ يذكر "الأتومان"، حيث تحتوي العلبة التي كانت تسمى بـ"الصفط" على 52 سيجارة، تباع بـ10 قروش. كما تزال في ذاكرة أبوكايد أشياء كثيرة أخرى، منها؛ دخان "النجاح" و"التطلي سرد"، و"السبورت"، حيث تحتوي العلبة على 20 سيجارة تباع بقرشين ونصف.

‏ ataleb7 @

التعليق