بن لادن والتهمة الكاذبة التي لا تزول

تم نشره في الأحد 16 آذار / مارس 2014. 12:00 صباحاً

مارك سالتر* - (ريل كلير بوليتكس)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كنت أستمع إلى برنامج "توني كورنهيسر" على راديو سيارتي الأسبوع الماضي، وأنا أتفكر في طبيعة الخير والشر، كما أفعل دائماً وأنا أستمع إلى برنامجه. إنني أمزح. ربما كنت أفكر في البطء الشديد الذي يميز حركة السير في واشنطن، وهو موضوع دائم الحضور في انتباهي، والذي كان يجعلني أتأخر دائماً عن موعد.
لكن شيئاً قيل في البرنامج قبض على انتباهي مع ذلك، وحول ذهني إلى التفكير في حوار سياسي ما يزال دائراً، كنت ذات مرة منخرطاً فيه على الهوامش -والذي لا يخص أمواراً تتعلق بالخير والشر. عادة ما كنت أدير مؤشر مذياعي لسماع هذا البرنامج حتى أستمع إلى مسائل أخف بكثير من هذا الأمر. فكورنهيسر شخص مسل، وعادة ما يلتزم هو وفريقه بجانب الثرثرة الرياضية. إنهم لا يتكلمون عادة عن السياسة، في محاولة للترويح عن مدينة عادة ما تتحدث عن القليل من المواضيع الأخرى.
لم يكونوا يتحدثون على السياسة في ذلك اليوم أيضاً، وإنما كانوا يتحدثون عن الأفلام. كانت الناقدة السينمائية في صحيفة الواشنطن بوست، آن هورنداي، تعرض وجهة نظر عن المرشحين لجوائز الأوسكار لهذا العام، عندما تحول الحديث إلى فيلم تعتقد أنه يستحق الجائزة الأولى عن التصوير لأوسكار العام الماضي، "زيرو دارك ثيرتي"؛ ذلك الفيلم الذي يتحدث عن مطاردة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) لأسامة بن لادن واغتياله.
لم أتذكر أن فيلم "آرغو" كسب جائزة أفضل تصوير للسنة الماضية. إنه فيلم موال لأميركا ومخلص للسي آي إيه (بل إنه أكثر موالاة لهوليوود نفسها)، لكن الآنسة هورنداي ما تزال مصممة على أنه يتغلب على "زيرو دارك ثيرتي". وكان الذي التقط انتباهي، مع ذلك، هو الطرف الذي ألقت عليه باللوم في سوء حظوظ الفيلم -السيناتورات الأميركان الثلاثة، ديانا فينشتاين، كارل ليفين، وجون ماكين.
لا أحد من الجُناة، بالقدر الذي أعرفه، هو عضو يمتلك حق التصويت في أكاديمية فنون الصور المتحركة والعلوم. لكن هورنداي زعمت أنهم شنوا "حملة تشويه غير مبررة" ضد الفيلم (أبدأ بالتساؤل عما إذا كانت هناك حملات تشويه "مبررة" في الأساس)، والتي تم أخذ كلفتها بعين الاعتبار في الأوسكار بكل هذا الوضوح. ووفقاً لها، فقد ظل الفيلم هو المرشح الأوفر حظاً حتى ركب المتذمرون الثلاثة "حصان الهواية الصغير" وقاموا بترهيب مصوتي أكاديمية الصور المتحركة وجعلوهم يحرموه من الأوسكار.
لم تكلف هورنداي نفسها عناء تفسير طبيعة اعتراضهم. ولكن، بما أنني عملت مع السناتور ماكين، وساعدت في تكوين فريقه في موضوع "حصان الهواية" المذكور، فقد كنت أعرف ما تشير إليه.
"حملة التشويه" تكونت من رسالة إلكترونية تم إرسالها إلى شركة "أفلام سوني"، ونشرت في الصحافة، والتي اعترض فيها أعضاء مجلس الشيوخ الثلاثة على تأكيد الفيلم أن التعذيب الذي مارسته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) على المعتقلين لعب دوراً حاسماً في تحديد مكان بن لادن. وردت مخرجة الفيلم كاترين بيغلو وكاتب السيناريو مارك بوال بملاحظة أنهما "صورا مجموعة من الممارسات المثيرة للجدل والأساليب المخابراتية التي تم استخدامها باسم العثور على بن لادن. وقد بين الفيلم أنه ليس هناك أسلوب مخصوص كان مسؤولاً بالضرورة عن حل لغز مطاردة الرجل".
الجملة الثانية مخادعة. نعم، يصور الفيلم محللي الاستخبارات والناشطين وهم ينخرطون، غالباً بشكل بطولي، في أنشطة غير تعذيب الإرهابيين. ولكن الاختراق الأكثر أهمية على الإطلاق، في روايتهما، كان المعلومات التي تم استخلاصها من معتقل واحد معين بعد أن تم إخضاعه إلى أسوأ ما دعته وكالة الاستخبارات المركزية "أساليب التحقيق المحسّنة"، خيال قصصي.
ليس من المتوقع من الأفلام أن تكون سجلات تاريخية. ولكن، قبل هذا الجدل، كانت بيغلو وبوال اللذان تشاورا عن كثب مع موظفي وكالة المخابرات المركزية، قد زعما بأن فيلمهما تبنى "منهجاً صحفياً" في مقاربته للحدث المقصود. ووصفته بيغلو بأنه "فيلم تقارير". وذهبا أبعد من الزعم المعياري بأن الفيلم كان قصة "مبنية على أحداث واقعية". كان فيلمهما، كما كتبا محقين على الشاشة، "قائماً على روايات مباشرة للأحداث الفعلية". كما أصر بوال على أنهما لم "يلعبا بسرعة بحيث يضيعان التاريخ".
لكن ذلك ليس صحيحاً. لقد فعلا. لقد شوها الحقائق الأساسية ليجعلا التعذيب يبدو وأنه أكثر فعالية مما هو عليه فعلاً. وبينما أصرا على أنهما لم يكونا يصدران أحكاماً على أخلاقية التعذيب، فإنهما صنعا فيلماً يعتنق الحجة التي يقدمها المدافعون عن التعذيب، وهي، بشكل أساسي: "ربما يكون (التعذيب) بغيضاً، لكنه لا غنى عنه لوقف الأشرار عن قتل المزيد منا".
بعد وقت قصير من مقتل بن لادن، أكد المدعي العام السابق مايكل موكاسي ومدير الاستخبارات المركزية السابق مايكل هايدن ادعاءهما، بطريقة تخلو من النزاهة في رأيي، بأن ممارسات الاستجواب التي يسميها بعض الناس، وإنما ليس هما، تعذيباً، كانت أساسية في تحديد مكان بن لادن. وقد بدأ الأمر، كما أشار موكاسي ضمنياً، عندما قدم خالد شيخ محمد، بعد أن تم تعذيبه بمحاكاة الإغراق، الاسم الحركي لساعي تنظيم القاعدة الذي سيقودنا في نهاية المطاف إلى مجمع بن لادن السكني في أبوت أباد. وفي حقيقة الأمر، كنا قد عرفنا اسم الساعي قبل وقت طويل من ذلك الوقت، من معتقل محتجز في بلد آخر، والذي أعطانا المعلومات من دون تعريضه للتعذيب. وقد اعترف خالد شيخ محمد بأن هناك مثل هذا الشخص، لكنه نفى أنه كان مهماً أو أنه ما يزال يعمل في خدمة تنظيم القاعدة.
بعد تحقيق شامل، وجدت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ أن المعلومات المستخلصة من المعتقلين الذين تعرضوا للتعذيب لعبت دوراً ثانوياً، إذا كانت قد لعبت دوراً من الأساس، في العثور على بن لادن. كما خلص تحقيق استقصائي أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" إلى النتيجة نفسها. وربما كان البحث عن بن لادن سينتهي بالطريقة نفسها لو أن وكالة الاستخبارات المركزية لم تقم بتعذيب أي أحد على الإطلاق. ما كان ينبغي أن نجادل ضد استخدام التعذيب عن طريق دحض فعاليته، لكن هذه هي الأرضيات التي يصنع منها أنصار التعذيب موقفهم. في بعض الأحيان، سوف يجلب لك التعذيب معلومات استخبارية. وفي أحيان أكثر سيجلب لك خيوطاً كاذبة. إنه لم يعطنا بن لادن. لكنه شأن خاطئ أخلاقياً على الدوام، مناقض ومدمر للمثُل التي تأسست أمتنا من أجل حمايتها. لقد منح فيلم "زيرو دارك ثيرتي" مصداقية لأولئك الذين يريدون لنا أن نستخدم تلك الممارسات مرة أخرى. وهو أمر قمين بالاعتراض والرفض أكثر بكثير من شكاوى أعضاء مجلس الشيوخ الثلاثة، أو الظلم المفترض الذي يفضي إلى خسران جائزة أوسكار.


*الرئيس السابق لموظفي السيناتور جون ماكين، وكان مستشاراً رفيعاً لماكين في حملته الرئاسية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Bin Laden and the False Charge That Won't Go Away

[email protected]

@alaeddin1963

التعليق