مديرون يلجأون للشتائم مع الموظفين!

تم نشره في الثلاثاء 18 آذار / مارس 2014. 12:00 صباحاً

مجد جابر

عمان- بعد أن اعتقدت العشرينية رناد سيف أنها، وبعد عناء طويل، قد وجدت أخيرا فرصة عمل محترمة تعمل وتستقر فيها بشهادتها، إذا بها تفاجأ بعد مرور يومين على دوامها، بسماع صراخ عالٍ، ووابل من الشتائم البذيئة وهي تنهال على أحد الموظفين، من دون أن تعرف مصدرها.
لقد تخيلت لوهلة أن أحد المارة في الشارع هو من تلفظ بتلك الألفاظ، لكنها ما لبثت أن اكتشفت أن مديرها هو الذي يتلفظ بتلك الكلمات الفظة في حق إحدى الموظفات، بسبب خطأ ارتكبته في العمل.
تقول رناد “كانت صدمتي كبيرة عندما رأيت المدير الذي يضع نفسه في صورة رجل مثقف، وأنيق، ويجلس على مكتب فخم، يشرع في لحظة غضب في التلفظ بشتائم لم نعهد سماعها إلا في الشارع”.
لكن رناد ما لبثت أن أدركت أنها الوحيدة التي فوجئت من تصرف ذلك المدير، كونها ما تزال جديدة في العمل ولا تعرف أسلوبه، وأن الجميع قد اعتاد هذا الأسلوب من هذا المدير الذي لا يعرف التعامل إلا بهذه الطريقة.
علي جمعة واحد من ضحايا مثل هذا التعامل الذي يفتقد إلى الحس الإنساني والمهنية، فهو يعمل مع مديره منذ فترة، وهو الوحيد الذي بقي معه هذه المدة بعد أن غادره باقي الموظفين، لأنهم لم يتحمّلوا أسلوبه في التعامل معهم.
يقول علي “مديري شخص لا يمكن أن يطيقه إنسان، والسبب هو أن لسانه بذيء جداً، فهو شخص لا يعرف التعامل إلا بالشتائم، لدرجة أنه لا ينادي الموظف باسمه، وإنما ينعته في كل مرة بشتيمة معينة، وكأن هذه الشتيمة اسمه الحقيقي، ولا فرق عنده بين الشباب والفتيات، ولذلك لم يجد الكثير من الموظفين والموظفات بدا من ترك العمل في النهاية”.
ويضيف أنه في إحدى المرات لم يتحمل أحد الموظفين شتيمته فقام ورد عليه بمثلها، ثم ترك العمل.
وفي هذا الشأن يرى الاختصاصي الاجتماعي، د.حسين الخزاعي، إن الأمر يعود إلى عدة أسباب، فقد يكون هؤلاء المديرون محرومين من الخبرة المناسبة في التعامل مع الموظفين، وغير مدركين للبُعد الإنساني والاجتماعي في العمل الإداري، إذ ليست الإدارة في أعينهم سوى تطبيق أعمى للأنظمة والقوانين، لا مكان فيها لأساليب مهارات التواصل.
ويضيف خزاعي، لعل هؤلاء المديرين يشعرون بنقص في تكوينهم الشخصي، ولا يملكون الخبرة الكافية، أو أنهم حصلوا على هذه المواقع بطرق ما أو هبطوا عليها “بالبرشوت”، وهو ما يجعلهم يعوّضون نقص الخبرات وضعف الشخصية من خلال الاستعلاء على الآخرين.
إلى جانب أن مثل هؤلاء المديرين قد يلجأون إلى هذا التصرف بسبب النمط البيروقراطي التسلطي السائد في كثير من الإدارات، فهؤلاء كثيرا ما يتباهون بمكانتهم، ومكاتبهم الفاخرة، وهم مع ذلك لا يملكون الكفاءة القيادية التي يجب أن يتميز يه القائد المثالي من دينماكية وإنتاجية، وفاعلية، ومسؤولية، ومن قدوة.
ويشير خزاعي إلى أن هذا الأمر يخلق نمطا من المديرين يمارسون السلوك نفسه، إلى جانب أن للبيئة والنمط الذين عاش فيهما بعض المديرين دورا كبيرا في مثل هذه السلوكيات التي يمارسونها مع موظفيهم، وهي السلوكيات التي تتنافى كليا مع أساليب وأصول الإدارة المعاصرة التي تهتم بتحقيق مصالح وأهداف جميع الأطراف.
ويعتبر الخزاعي أن السلوك العدواني الذي يمارسه المدير على زملائه، يجعل منه شخصا يُتقن هواية تصيّد الأخطاء، لجهله لقواعد الإدارة القائمة على المنافسة الشريفة والتعاون ما بين الجميع.
إلا أن المشكلة الحقيقية، خصوصاً في الشركات الصغيرة، أن بعض ممّن يتبوؤون مناصب إدارية لا يملكون أصولها العلميةً والعملية، نتيجة عدم خبرتهم بها، وعدم تدرجهم فيها عن طريق الممارسة، لذلك فهم لا يملكون أدوات الإدارة العلمية الصحية.
ويعتقد اختصاصي علم النفس د. محمد الحباشنة أن المشكلة لدى هؤلاء الأشخاص أنهم يعتقدون خطأً، أن منصبهم وموقعهم يسمحان لهم بالتعامل بهذه الطريقة مع موظفيهم، ويعفيهم من تبعات وعواقب سوء التعامل، وفي ذلك جهل بقواعد المعاملة، ودليل على عدم مهنية هؤلاء المديرين وسوء أخلاقهم.
ويرى أن الشخص إذا أخطأ هناك أصول إدارية يجب أن يتم التعامل معه بموجبها، إذ يعرض المقصر نفسه لعقوبة رسمية، ضمن قواعد أساسية، من دون أن تتعرض كرامته واحترامه للإهانة، طبقا لتقاليد الإدارة الأخلاقية التي تحفظ كرامة الإنسان في كل مكان.
ويشير حباشنة إلى أن الضغط المالي، وقلة فرص العمل، والظروف الحالية، ربما هي التي تجعل الكثير من المديرين يستغلون أحيانا هذه الحالة لفرض عضلات الأنا، واستعراض ما يعتقدونه قوة شخصية، فيما الأمر مجرد سوء وخلل في الشخصية.
ويعتبر أن من يلجأ إلى مثل هذا التصرف هو الخاسر الوحيد في النهاية، لأن العاملين الذين يتعرضون لسوء معاملة مثل هذا المدير، لن يخلصوا لعملهم في النهاية، ولن يتقنوا أداءهم المهني، وسوف يسعون للبحث عن فرصة أو بديل.
بالإضافة إلى أن هذا السلوك العنيف قد يتحمله شخص أو اثنان، لكن لن يتحمله الجميع، وسيضطرون للرد عليه بنفس الطريقة، مع ما يترتب عن ذلك من عواقب وخيمة على صاحب هذا السلوك وإدارته.
ويذهب خبير مهارات التواصل الاجتماعي ماهر سلامة الى أن ممارسة السلوك الاخلاقي في العمل مسألة في غاية الأهمية والسبب أنه يحفز على انتاجية أعلى ويخرج طاقات الموظف الكامنة ولا يعتبر ذلك مسألة مثالية بقدر ما هي مسألة انتاجية.
ويضيف أن المدير الذي يستعمل الألفاظ النابية فهو عمليا يمارس مع موظفيه سلوك سلطة الأب، وهذه تعتبر ضمناً أن هؤلاء الموظفين أطفال وبالتالي لن يخرج أي منهم طاقاته، مبيناً أن الأصل في التعامل مع الموظفيين بطريقة ناضجة.
ويعتبر أنه لا يمكن أن تأخذ من الموظف أفضل طاقة انتاجية الا بطريقة طوعية التي يتضمنها سلوك أخلاقي عال، والتعامل بغير ذلك يعد ضعفا من المدير وليس قوة.

majd.jaber@alghad.jo

majDjaberr@

التعليق