اتفاق المصالحة: "طوق نجاة" مؤقت أم مصلحة وطنية؟

تم نشره في الاثنين 28 نيسان / أبريل 2014. 11:04 مـساءً - آخر تعديل في الثلاثاء 29 نيسان / أبريل 2014. 08:40 صباحاً
  • رئيس وزراء حكومة حماس إسماعيل هنية (يمين) يتحدث مع عزام الأحمد القيادي في حركة فتح في غزة-(رويترز)

نادية سعد الدين

عمان - يدخل الاتفاق الأحدث للمصالحة بين حركتي "فتح" و"حماس" دائرة اختبار الساحة الفلسطينية مجدداً، إلى حين ثبات جديته، عبر محكي "الحكومة" و"الانتخابات"، وقدرة الصمود أمام التهديد الأميركي الإسرائيلي "بعقاب اقتصادي".
ويجد التفاف الفصيلين، الأكبر حجماً وتنظيماً في الأراضي المحتلة، حول إنهاء الانقسام "بإعلان الشاطئ" بغزة، في 23 نيسان (إبريل) الجاري، ترحيباً شعبياً عريضاً، لتحقيق هدف المصلحة الوطنية ووحدة مجابهة الاحتلال الإسرائيلي.
ولكن الحذر يبقى سيدّ الموقف من مصير اتفاق، إذا ما قدّر له النفاذ الفعلي، فإن عوائد الاقتصاد الموحد الناجمة عنه ستقدر بأكثر من 3,5 مليار دولار سنوياً، عند تحييد المؤثرات الخارجية.
وإزاء "المساهمة المتواضعة للولايات المتحدة، التي لم تتعد 15 % من إجمالي قيمة المساعدات المقدمة لخزينة السلطة الفلسطينية، منذ تشكيلها (العام 1994)، والمقدرة بنحو 25 مليار دولار، فإن ثمن المصالحة قد يكون باهظاً في حال تنفيذ العقوبات الإسرائيلية"، وفق مسؤولين فلسطينيين.
وفي أسوأ الأحوال، لن يعود الوضع إلى ما كان عليه في العام 2006، عند ضربّ طوق دولي إقليمي ضدّ الحكومة التي شكلتها "حماس"، ابتداءً، منفردة، ومن ثم مشاركة مع "فتح" لستة أشهر قبل نذر الانقسام، وذلك "لاختلاف الظروف في المنطقة"، بحسبهم.
ويروق "للمشككين" وصف الاتفاق "كطوق نجاة من الغرق"، بعد إرخاء أوراق قوة أوصلت الحركتين حدّ أزمة عميقة غير مردودة، ما دفعهما لمسارعة توقيعه "تكتيكياً"، إلى حين تبدل الأحوال.
فقد سارعت "فتح" للمصالحة في ظل "انسداد الأفق السياسي، والتعنت الإسرائيلي ضدّ الانسحاب من حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية ضمنها، ورفض تقسيم القدس ووقف الاستيطان وعودة اللاجئين"، والتي سبق إيرادها في خطة وزير الخارجية الأميركي جون كيري.
وقد أوجد إخفاق تحقيق أي تقدم على صعيد الحقوق الوطنية، منذ العام 1991، "حالة تذمر في الساحة الفلسطينية، بينما باتت "فتح" محل تندر بسبب إصرارها على المضي في مسار تفاوضي عبثي لم تجنِ منه سوى تقديم التنازلات"، وفق قول الأكاديمي والمحلل السياسي حمزة مصطفى.
أما "حماس" فقد جاءت للاتفاق "منهكة"، بعد أشواط قطعتها من مسار الابتعاد عن حلفها الاستراتيجي القديم، إيران وسورية و"حزب الله"، من دون أن تحصد، حتى الآن، ثمار مدّ جسور ما انقطع معه، بينما أصاب "حلفها البديل"، المصري القطري التركي، تغيرات لم تصبّ في صالحها.
وقد جرّت سياسة "قلب" المحاور تداعيات على "حماس"، إزاء توتر علاقتها مع القاهرة، وإذكاء خلافات داخلية أبرزت خطاباً متمايزاً بين قيادتي "الداخل" و"الخارج" مسّ موقفها من إدارة الصراع العربي - الإسرائيلي، والثورات العربية، والمصالحة، التي فجّرت أحد اتفاقاتها (الدوحة في شباط/ فبراير 2012) مواطن التباين.  وطال ذلك انقطاع الامداد المالي الخارجي عن قطاع غزة، المحاصر إسرائيلياً، فضلاً عن هدم الأنفاق وإغلاق معبر رفح في معظم الأحيان.
 "اتفاق المأزق"
وقد تلاقت "الغايات الفئوية الغالبة على هدف المصلحة الوطنية العليا، ما يجعل الاتفاق رهين الظروف المتقلبة"، وفق رأي مصطفى.
وأضاف، لـ"الغد" من فلسطين المحتلة، إن "الرئيس محمود عباس أراد استخدام المصالحة كورقة مناورة للردّ على التعنت الإسرائيلي بعدم إطلاق سراح الدفعة ألأخيرة من الأسرى "القدامى"، وبلوغ المفاوضات طريقاً مسدوداً".
ورأى أن ذلك يعدّ "رسالة ضغط بوجود خيارات أخرى إذا لم تتم الاستجابة لمطلبه"، بالإفراج عن الأسرى ووقف الاستيطان والاحتكام لمرجعية العام 1967، مقابل تمديد المفاوضات.
وأوضح بأن "فتح" بلغت "نفقاً ممتداً قضمّ من منسوب رصيدها في الشارع الفلسطيني، وهدد بانهيارها، في ظل خلافات داخلية حادة تعتري صفوفها، بحيث باتت المصالحة معوّل إنقاذ حيوي بالنسبة إليها للحفاظ على ما تبقى، مقابل مأزق "حماس" في غزة وسط الحصار الخانق وتردي الأوضاع الاقتصادية".
بيدّ أن "اتفاق المأزق" سرعان "ما ينتكس مجدداً عند زوال الظروف التي أدت إليه"، وفق نائب رئيس المجلس التشريعي حسن خريشة، الذي أكد على ضرورة "المصالحة باعتبارها مصلحة وطنية عليا".
وقال، "لـ"الغد" من فلسطين المحتلة، إن "الطرفين بحاجة ماسة للمصالحة، فيما أثبت الاتفاق قدرتهما على بلوغه عند توفر الإرادة والقرار لذلك".
وقلل من "جدية التهديد الأميركي الإسرائيلي بفرض العقوبات الاقتصادية والسياسية على السلطة"، إذ "لا مصلحة لهما بدفع الحال الفلسطيني إلى مأزق البحث عن خيارات بديلة للعملية السلمية، في ظل الإجماع الوطني على وقف المفاوضات واستكمال الانضمام إلى مؤسسات ووكالات الأمم المتحدة".
وفي حين لفت خريشة إلى "عدم توفر ضمانات حقيقية لإنجاحه، خلا هدف تحقيق الوحدة في مجابهة عدوان الاحتلال"، اعتبر مصطفى أن المحك "يقف عند إعادة تفعيل منظمة التحرير لغايات إنضمام حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" داخلها".
ورأى أن "اعتراف "حماس" بالتزامات المنظمة وبالكيان الإسرائيلي و"نبذ العنف"، قد يكسب الحكومة القادمة تأييداً دولياً، ولكنه يحول الحركة من مسار الكفاح المسلح إلى الخط السياسي، بما يحمل محاذير انحسار شعبيتها وتصدّع مصداقية مرجعيتها"، وفق قوله.
محذور الانتكاسة
ويستل محذور الانتكاسة، عند البعض، من إشكالية التفاصيل، التي لم يدخل الاتفاق في بنودها وإنما أجلّ بحثها إلى فترة لاحقة، مثل ملفات الأجهزة الأمنية والبرنامج السياسي وإعادة بناء المنظمة والحريات العامة والسلم الأهلي.
واكتفى الاتفاق بالإعلان عن "بدء مشاورات تشكيل حكومة التوافق الوطني خلال 5 أسابيع، وإجراء الانتخابات بعد 6 أشهر من تشكيلها، وعقد لجنة تفعيل وتطوير المنظمة، واستئناف عمل لجنتي الحريات والمصالحة المجتمعية".
وبالنسبة إلى المحلل السياسي لبيب قمحاوي، فإن ذلك يشي "باتفاق على إعلان المصالحة بينما لا يوجد اتفاق على المصالحة نفسها".
وقال، لـ"الغد"، إن "الاتفاق يعكس الأزمة التي تعصف بالطرفين معاً، وسط ساحة فلسطينية متذمرة من استمرار وضع بائس أمام فشل السلطة و"حماس" على تحقيق المصالحة طيلة السنوات الماضية، بينما تسعى السلطة إلى تسهيل عملية المفاوضات".
واستبعد "دوام المصالحة، لأنها لم تقم على نوايا حقيقية لحل القضايا الخلافية والالتفاف حول القواسم المشتركة، وإنما جاءت لدرء المخاطر والخروج من ألأزمة، وعندما تزول الظروف ستختفي المصالحة".
أجندة حافلة بلقاءات المصالحة
ولأن الأجندة الفلسطينية حافلة بمشاهد تصافح الطرفين أمام عدسات الكاميرا في آخر سبع سنوات عجاف من جدية نفاذها، فإن الشكوك تغلب على مصير "اتفاق الشاطئ" المباغت، الذي جاء بعد أيام من رسائل ترطيب الأجواء المتبادلة، وإجراءات أمنية مصرية ايجابية بحق "حماس" في مصر.
واعتبر رئيس الشبيبة الفتحاوية في رام الله أحمد العبويني أن "إعلان اتمام المصالحة ليس الضمانة الكافية لتجسيدها على الأرض".
وقال، لـ"الغد" من فلسطين المحتلة، إن "مصداقية المضي قدماً بها تعد محل شك، في ظل تغليب المصلحة الضيقة على المصلحة الوطنية عند كل من "فتح" و"حماس"، بحسب قوله.  وقال، لـ"الغد"، من فلسطين المحتلة، إن "أساس نجاح المصالحة يعتمد على توفر الإرادة الحقيقية لتحقيق الوحدة الوطنية المطلوبة لمقاومة الاحتلال".
مصلحة وطنية عليا
بيدّ أن المشهد العربي المأزوم وانشغالات الدول بقضاياها الداخلية وتراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، قد يسهم في المضي قدماً في تنفيذ خطوات المصالحة وتحقيق الوحدة الوطنية.
من جانبه، أكد رئيس التجمع الوطني للشخصيات المستقلة منيب المصري أن "الكل الفلسطيني معني بالسير قدما في خطوات تنفيذ الاتفاق، باعتباره حاجة وطنية لإعادة ترتيب البيت الداخلي وتصليب الجبهة الداخلية أمام عدوان الاحتلال".
وقال، لـ"الغد" من فلسطين المحتلة، إن "التنفيذ قد بدأ فعلياً، بما يستهدف إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وفق حدود العام 1967، وعاصمتها القدس المحتلة، وتطبيق القرار 194"، القاضي بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين والتعويض.
وأضاف أن ذلك يعني "عودة المؤسسة الفلسطينية الواحدة، ما ينفي الادعاء بعدم تمثيل المنظمة للكل الفلسطيني، ويعطي القوة للرئيس عباس في موقفه التفاوضي، كما سيعزز مفهوم "حل الدولتين"، ويؤسس للسلام والأمن في المنطقة".
وأشاد المصري "بالدور الأردني الداعم والمساند للشعب والقضية الفلسطينية، وبالجهود المصرية الحثيثة لتحقيق المصالحة والوحدة الوطنية".
وفي حال تمديد المفاوضات، بعد 29 نيسان (إبريل) الحالي، فإن "المصالحة تبقى هدفاً أساسياً ومصلحة وطنية عليا"، وفق عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" سلطان أبو العينين.
وقال، لـ"الغد" من فلسطين المحتلة، إن "هناك إرادة وعزيمة عند الجميع للمضي في خطوات تنفيذ المصالحة، واستخلاص العبر من التجارب السابقة، والتحلي بالمسؤولية الوطنية لإنهاء الانقسام".
وأضاف أن "الاحتلال يركز على الانقسام ويقدمه ذريعة للتهرب من التزامات العملية السياسية، ومن هنا جاء موقفه المضاد للمصالحة". وأكد أن "لا قيمة للمفاوضات في ظل استمرار الاستيطان"، مشدداً على "رفض تمديدها ما لم تقدم ضمانات بوقف الاستيطان وإطلاق سراح الأسرى ومرجعية حدود 1967".
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم إن "للمصالحة تداعيات اقتصادية، تعتمد في حدتها ونطاقها وحجمها على عوامل الموقف الأوروبي الايجابي، والموقف الأمريكي المتردد، والدعم العربي الإسلامي المنشود".
وأضاف، لـ"الغد" من فلسطين المحتلة، "لن يكون للمساعدات الخارجية، والمقدرة بحوالي مليار إلى مليار ونصف سنوياً، تأثير كبير في حال تقلصها، ذلك لأن 50 – 70 مليون دولار منها تذهب إلى خزينة السلطة، بينما يتم ضخ الباقي منها في دعم المشاريع".
وأوضح بأن "المساهمة الأمريكية متواضعة، حيث لم تتعد 15% من إجمالي قيمة المساعدات المقدمة إلى خزينة السلطة، منذ تشكيلها، والمقدرة بنحو 25 مليار دولار، أي بنحو 4 مليارات دولار، بمعدل متوسط 400 مليون دولار سنوياً يذهب معظمها للبنية التحتية ومشاريع أمريكية أساساً وبناء قدرات ألأجهزة الأمنية الفلسطينية".
إلا أن "ثمن المصالحة قد يكون باهظاً في حال تنفيذ العقوبات الإسرائيلية، والمتعلقة تحديداً بحجب أموال الضرائب المستحقة للجانب الفلسطيني"، بحسبه.
وأوضح عبد الكريم، وهو عضو التجمع الوطني للشخصيات المستقلة، إن "حجم الإنفاق الجاري وفق موازنة السلطة للعام الحالي، يبلغ حوالي 300 مليون دولار شهرياً، يأتي من ثلاثة مصادر أساسية، مثل إيرادات ضريبية محلية تجبيها السلطة وتدخل خزينتها مباشرة، وتقدر بنحو 40 – 50 مليون دولار شهرياً، تمثل
30 – 35 % من مجمل إيرادات السلطة".
ولفت إلى "إيرادات الضريبة عبر المقاصة، والمتمثلة في أموال الضرائب المستحقة للجانب الفلسطيني والتي تحولها سلطات الاحتلال، بما يقدر بنحو 140 مليون دولار شهرياً، بالإضافة إلى إيرادات أخرى تقارب 20 – 30 مليون دولار، في أحسن الأحوال".
وقال إن "75 % من الايرادات يأتي عبر نظام المقاصة من الاحتلال، والذي يذهب معظمه لدفع رواتب موظفي السلطة، المقدرين بنحو 170 ألف موظف، منهم 70 ألف موظف عسكري، يدفع لهم رواتب شهرية حوالي 180 – 200 مليون دولار".
وقال إن "65 % من اجمالي الإيرادات تدفع كرواتب الموظفين، بينما يبقى عجز مالي بحدود 100 مليون دولار شهرياً، تقوم السلطة بتغطيته من خلال المساعدات المقدمة إليها، وفي حال عدم توفرها فمن خلال الاقتراض البنكي أو تأخير مستحقات محلية".
وأكد أن "للمصالحة مردود اقتصادي عالي، من خلال الدمج والتكامل بين اقتصادين والحركة التجارية المتبادلة، والاستفادة من مزايا كل اقتصاد".
وأفاد بأن "إجمالي الايرادات المتوقعة لخزينة السلطة ضمن الاقتصاد الموحد تقدر بنحو 3,5 مليار دولار سنوياً في حال تحييد المؤثرات الخارجية، منها 3 مليار دولار متوقع جبيها من الضفة الغربية، مقابل 500 -600 مليون دولار من غزة".
وذلك يأتي نظير "منع التهرب الضريبي، وضبط الحركة التجارية، ووقف النفقات التي تتحملها السلطة في دوفع رواتب موظفي الحكومة المقالة، المقدرين بنحو 40 ألف موظف، والمستنكفين عن العمل في غزة".

nadia.saeddeen@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تحليل (اياد الحسين)

    الثلاثاء 29 نيسان / أبريل 2014.
    اشكرك يا اخت نادية على هذا التحليل والى الامام