ما المشكلة؟

تم نشره في الجمعة 2 أيار / مايو 2014. 11:00 مـساءً

يبدو سؤال "ما العمل؟" الذي ما فتئ العرب (ليس كل العرب على أي حال!) يطرحونه على أنفسهم منذ نحو قرنين، حيال أزمتهم الحضارية العميقة، بمثابة هروب إلى الأمام من سؤال أكثر أولوية، يجب الإجابة عنه أولاً، إجابةً محددة وشافية ونهائية، ومفاده "ما المشكلة؟". فالحقيقة الملفتة أن الأزمة الحضارية العربية لم يجرِ تعريفها، تعريفاً متفقاً عليه، كي يكون منطقياً الانتقال إلى طرح حلول بشأنها. أليس ذلك مما يفسر فشل الحلول المطروحة، فكرياً وسياسياً، في حل الأزمة الحضارية، حلاً مُرضياً؟
لم يجرِ تعريف الأزمة العربية. لذا، فقد افترض كل فريق أن حلوله المطروحة لما يظنه "جوهر الأزمة"، هي الضمانة الأكيدة للخروج من التخلف الحضاري. هكذا (استكمالاً لما قلته في مقال الأسبوع الماضي) صيغت حلول دينية، وأخرى مضادة للدين، ولمعت وانطفأت حلول قومية وغير قومية، وظهرت اقتراحات بشأن ماهية "القضية المركزية" في العالم العربي، تمحورت على الأغلب حول قضايا سياسية، أهمها القضية الفلسطينية التي ظل العرب لعدة عقود يعتبرونها قضيتهم المركزية، قبل أن يراجع فريق منهم نفسه معتبراً أن "الديمقراطية" هي قضيته المركزية، فلما أفَلَت قضية "الإصلاح"، بحث عن قضية أخرى!
هذا يعني أن العرب لم يعانوا من نقص الحلول المقترحة، بل من كثرتها؛ فكان طبيعياً أن يغيب برنامج العمل الموحد، وأن تغيب قبله المرجعية الموحدة لصياغة خطة العمل، وتحويلها إلى برنامج.
وليس معنى ذلك أن الأزمة الحضارية العربية ذات وجه واحد بالضرورة، وأن لها "قضية مركزية" واحدة يجب اكتشافها والاتفاق عليها قبل كل شيء؛ فتعريف الأزمة لا بد أن يكتشف كم أنها أزمة مركبة، وكيف أن لدى كل فريق من أصحاب الحلول المقترحة، الهاربة إلى الأمام، جزءاً من الحقيقة.
لكن بلوغ الحقيقة الكاملة، القائمة على جمع أجزائها المتناثرة بين الفرقاء، ليس أمراً سهلاً بالمرة. ذلك أن هؤلاء الفرقاء الهاربين -بحلولهم- إلى الأمام، لا يدركون كم أنهم يعمقون الأزمة بحلولهم الجزئية القاصرة تلك. وهو أمر يشمل الفرقاء من شتى المدارس الفكرية، ومختلف الطروحات والاقتراحات السياسية، لأنهم يظنون أن الحقيقة الكاملة ليست إلا طرحاً منافساً لطرحهم، وهذا طبيعي ما داموا يعتبرون حلهم الجزئي، كاملاً وكافياً.
ثمة تأكيد، هنا أيضاً، على أولوية "السيادة الوطنية" عند الأمم الساعية إلى الانتقال من حال إلى حال، وهي سيادة تُمارَس باستبداد، ولكن بعدالة. وليس في هذا استرجاعٌ لأطروحات أواخر القرن التاسع عشر، بل اعتبارٌ بتجارب الآخرين، من الناهضين الجدد في عالمنا.
لا يحتاج العرب إلى اكتشاف "قضية مركزية" إذن، بل إلى صياغة "خطة مركزية"، وتنفيذها فعلاً. وليس في ذلك -أيضاً- أي استعادة لأي خطاب عفا عليه الزمن، بل تأكيد على بدهية لا بد من بلوغها، عبر تنسيق عربي من نوع ما، على أن يكون ناجعاً وعملياً، بخاصة أن ثمة محاولات سابقة جرت من بوابة جامعة الدول العربية، كتكليف المجلس الاقتصادي والاجتماعي، المنبثق عن الجامعة، أمانته العامة في العام 1975، بدراسة الصيغة الممكنة لوضع استراتيجية للعمل الاقتصادي المشترك بين الدول العربية، بغرض صياغة استراتيجية عربية شاملة لمختلف القطاعات. وهو ما أنتج وقتها "استراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك"، التي صادق عليها مؤتمر القمة العربي المنعقد في عمّان في تشرين الثاني (نوفمبر) 1980. غير أن تلك الاستراتيجية لم تأخذ طريقها إلى التطبيق، لأن الدول العربية راحت منذ العام 1983 تُصدر قرارات بتأجيل تطبيق بنودها. وهذا مجرد مثال على الفارق بين ما هو ممكن، وما يجري فعلاً في الواقع.
الخطة المركزية ممكنة من دون شك، حال تعريف الأزمة العربية واكتشاف مشكلتها. لكن ثمة حاجة ملحة لتقديم الحصان على العربة!

التعليق