د.باسم الطويسي

بناء القاعدة الإنتاجية في المحافظات

تم نشره في الثلاثاء 6 أيار / مايو 2014. 12:00 صباحاً

أبسط تعريف للمشاركة التنموية، يتحدث عن تمكين الناس من موارد قريبة، وتحميلهم مسؤولية استدامتها من خلال إشراكهم في تطوير هذه الموارد وإدارتها؛ أي الشراكة في النجاح والفشل التي تعني المسؤولية؛ وبالتالي بناء قاعدة إنتاج محلية قابلة للحياة ومؤمّنة مجتمعيا. وهو الأمر الذي لم تلتفت إليه إدارة ملفات التنمية في المحافظات على مدى عقود مضت.
ببساطة أيضا، لم نبنِ قاعدة إنتاجية، لا صلبة ولا هشة، في المحافظات، بعد أن تم تهشيم الإنتاج الريفي والفلاحي على مدى ثلاثة عقود مضت، غيرت الدولة فيها أدواتها ولم تقدم البديل. والأصوات التي تنادي بأن الأردنيين لا يُقبِلون على المهن والحرف اليدوية، هي للأسف أصوات لا تعرف من الأردن إلا عمان.
خلال السنوات الخمس الماضية، تفاقمت ظاهرة الفقر في الأردن، في دليل على فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وما أنتجته من برامج وخطط. ويلاحظ على سبيل المثال، وبالمعطيات الرسمية، أن هذه المرحلة شهدت تصاعدا في أعداد جيوب الفقر؛ من 22 جيبا في العام 2006، إلى 32 جيباً في العام 2008. وفي آخر دراسة رسمية في مطلع العام 2012، وصل عدد جيوب الفقر في المملكة إلى 36 جيبا.
علينا أن نراجع بشكل علمي ونقدي السياسات الاقتصادية والاجتماعية خلال العقدين الماضيين، وسنلاحظ أن كل برامج الإصلاح الاقتصادي قد قدمت باسم الفقراء. فخطط إعادة الهيكلة، وبرامج التحول الاقتصادي الاجتماعي، وشبكات الأمان الاجتماعي وغيرها، قُدمت وسُوغت أمام الرأي العام باسم الفقراء، وأحيانا الطبقة الوسطى؛ مرة من أجل حماية هذه الفئات، ومرة من أجل توفير فرص أفضل لها. لكن دائما، وعلى مدى هذه السنوات، دفع الفقراء ثم الفئات الدنيا من الطبقة الوسطى الثمن الغالي لتلك السياسات والبرامج. واكتشفنا بعد حين أن اليد الخفية لم تكن حريصة على العدالة، وأن الفقراء هم من دفع الثمن وحدهم.
محاولة الدولة الاعتماد على جيوب مواطنيها، من دون أن توظف ثرواتها -أي الدولة- في سبيل بناء قاعدة إنتاج حقيقية وتوسيع قاعدة المنتجين وانتشارها، سيكون قفزا في الهواء من المنظور الاقتصادي قبل المنظور الاجتماعي.
التنمية الريفية، والتصنيع الريفي المعتمد على الإنتاج من خلال شبكة واسعة من أنماط الإنتاج الصغير، هما من أكثر النماذج الملائمة للمحافظات الأردنية. وبناء قاعدة الإنتاج المحلية لا يحتاج إلى اختراع رأس المال ولا الحرية الجديدة، ولا الاتكال على اليد الخفية لكي تأتي بالعدالة الاجتماعية من جيوب الآخرين. وهذا النمط من التنمية يقوم على الإنتاج الفلاحي والتصنيع المحلي، الذي يوفر حدا معقولا من الاكتفاء الذاتي ضمن مجال اجتماعي وفضاء ثقافي عرفه الأردن في مراحل تاريخيه سابقة، وتشهده اليوم مجتمعات عديدة، في أكثر دول العالم تقدماً. وهذا النمط من التنمية هو أيضا الدرع الاجتماعية والثقافية الحقيقية في مواجهة أنماط الاستهلاك الجائرة التي تنهب ثروة المجتمع وتعصف به، وهي الضمانة للحد من استفحال ثقافة الإعالة والعلاقات الريعية الزبونية التي أصبحت سمة لطبقات اجتماعية واسعة.
ثمة قرى وبلدات أردنية غابت عن الخرائط، وأخرجتها التنمية الجائرة من التاريخ أيضاً، فلم تعد سوى خرب بائسة على أطراف دروب ترابية غادرها المشاة وحركة الناس. ولا يتوقف الأسف على مشاهدة عشرات القرى المفرغة إلا من الكهول، حيث صفوف متناثرة من البيوت الحجرية التي دشنت في سبعينيات القرن الماضي، بل ما يدعو إلى أسى أكثر ألما، الكروم والبساتين التي هُجرت وأصبحت خَرِبة تحت وطأة سياسات جائرة، من جهة، وشعور باللاجدوى من جهة أخرى.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أصوات لا تعرف من الأردن إلا عمان (ايمن عبد الرؤوف النسور)

    الثلاثاء 6 أيار / مايو 2014.
    نعم أن اليد الخفية لم تكن حريصة على العدالة، وأن الفقراء هم من دفع الثمن وحدهم.وهذا مربط الفرس وارجو ان يطلع اصحاب القرار كدولة رئيس الوزراء على مقالك لكي يوعز للقائمين على اعداد الموازنة والخطط التنموية باعطاء الاهتمام الكبير للمحافظات لبناء قاعدة انتاجية زراعية وصناعية وهي السبيل الوحيد للنهوض بالاقتصاد الوطني وانني اود التأكيد على ان حصة جميع المحافظات الاردنية لا تساوي حصة العاصمة عمان وهذا بالطبع ليس حقداً ولكن اود التنبيه الى ان اغلب المستثمرين العرب والاجانب يرغبون في الاستثمار في العاصمة عمان وهذا يكفيها ولكن المطلوب من الحكومة العمل على توجيه الدعم الكبير لخطط تنموية للمحافظات من اجل بناء قاعدة انتاجية وهي السبيل الوحيد الذي سيعمل على جذب الاستثمارات لها اضافة الى ايجاد رغبة لدى ابناء هذه المحافظات بالهجرة المعاكسة وانني اؤيد بالفعل هذا التوجه لانه الحل الامثل لمشاكلنا الاقتصادية حيث انه سيقضي على البطالة اضافة الى انه سيرفع من مستويات المعيشه في محافظاتنا من الشمال الى الجنوب وانني اعتقد ان هذا هو السر وراء نجاح الدول في اقتصادياتها لان انتاج المحافظات الصناعي والزراعي سيكون له الاثر الكبير في القوة التصديرية للوطن ناهيك عن دوره في تحسين الاوضاع المعيشية لابناء المحافظات بحيث يكون المواطن فخوراً بمحافظته ويرغب العيش فيها بدلاً من الذهاب الى العاصمة للعمل براتب لا يكفيه اجرة منزل وكما يقال كلما اعطت الحكومات الاهتمام بالمحافظات كلما زاد تطورالمجتمع بشكل عام وتقلصت المديونية وانني اشكرك دكتور باسم على هذا المقال الرائع راجياً ان يطلع عليه اصحاب القرار للانتباه الى هذه النقطه الحساسة والتي تحتاج الى دراسات عميقه ومفصله لوضع الخطط المناسبة للنهوض باقتصاديات المحافظات
  • »بدائل تنموية (جمال الحمصي)

    الثلاثاء 6 أيار / مايو 2014.
    من الفرضيات الخاطئة للسياسات التنموية الماضية برعاية مؤسستي بريتون وودز العالميتين هي فرضية الانتشار التلقائي لمنافع النمو Trickle-down Hypothesis والتي مفادها اولوية هدف النمو على التوزيع وتخفيف الفقر ، وضرورة الاهتمام بتكبير الكعكة قبل مناقشة توزيعها. لهذه الفرضية تأثير عميق في الرؤى والاتجاهات الاقتصادية لدول العالم الثالث، وبالتالي مصائر شعوبها على مدى العقود الماضية، وهو ما اعترفت به المؤسستين المذكورتين نظرياً لا عملياً بسبب تأثير الجمود المؤسسي.
    المقال الهام يشير الى مثال عملي لتطبيقات مدرسة اقتصادية بديلة ومتنامية، أحيانا تسمى النمو التشاركي أو الشامل Inclusive Growth وأحيانا النمو الداعم للفقراء Pro-poor Growth كبديل لمدرسة "النمو الداعم للفقر". وقد لا يكون من المبالغة القول ان المدرسة التقليدية للنمو لم تنجز وعودها الطويلة في تحقيق النمو المستدام ولا في التوزيع العادل، خصوصاً بعد الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وأزمة الطاقة، مما يزيد الحاجة الملحة الى بدائل تنموية ذات اسس متينة عند تشكيل الرؤى الاقتصادية طويلة الأجل، مع الاستفادة من مدرسة اقتصاد السوق الاجتماعي. المثال العملي للسياسات التنموية الداعمة للفقراء التي يذكرها المقال هي التنمية الزراعية والريفية كآلية لتنمية المحافظات، لكن هنالك العديد من السياسات التطبيقية لهذا النموذج التنموي البديل لا مجال لذكرها هنا.