الإسرائيليون بين التطرف وعدم الثقة

تم نشره في الجمعة 9 أيار / مايو 2014. 11:00 مـساءً

أكد استطلاع للرأي بين اليهود الإسرائيليين، نشرته صحيفة "يديعوت أحرنوت" على موقعها الإلكتروني قبل أيام، على مدى استفحال التطرف والتوجهات اليمينية في الشارع الإسرائيلي، الذي يغيب عنه البديل الحقيقي لسياسة التطرف. لكن مقابل تعمّق توجهات اليمين، خاصة لدى الأجيال الشابة، فإن الغالبية الواضحة من هذا الجمهور لا تثق بمستقبل الكيان الذي تعيش فيه، بما يمكن تفسيره بأن الهجرة من إسرائيل ستتزايد مستقبلا.
ويذكر الاستطلاع أن 51 % من اليهود عرّفوا أنفسهم بأنهم ذوو توجهات يمينية، بما يشمل اليمين المتطرف. ولكن هذه النسبة ترتفع إلى 58 % لدى من هم دون سن 34 عاما، فيما النسبة أقل حدّة لدى الشريحة العمرية 34-49 عاما، إذ إن نسبة "اليمين" بينهم 50 %. كما تتراجع النسبة إلى 47 % لدى من هم فوق 50 عاما. وهذا لا يعني أننا أمام "ظاهرة طبيعية"، وأنه مع تقدم السن يكون النضوج الفكري أفضل؛ بل يعكس هذا في إسرائيل استفحال التطرف اليميني، لأنه في استطلاعات سابقة، كانت التوجهات اليمينية لدى الأجيال المتقدمة في السن أقل مما هي عليه اليوم. وهذا استنتاج تعززه نتائج الانتخابات البرلمانية في السنوات الأخيرة.
هذه النتائج نابعة من عاملين رئيسين. أولهما، أن المؤسستين الصهيونية والإسرائيلية "نجحتا" في العقدين الأخيرين، في إجهاض أي بديل سياسي للخطاب اليميني المتشدد. ولهذا، فإن اليمين الإسرائيلي يعزز قوته في كل واحدة من الانتخابات البرلمانية التي جرت في سنوات الألفين. وحتى الآن، لا يظهر بديل واقعي لليمين، وكل البدائل التي تظهر في هذه المرحلة إنما تحاول مسايرة المواقف اليمينية. وبالإمكان القول إن ما يسمى بـ"اليسار الصهيوني"، قد اتبع في السنوات الأخيرة خطابا "اعتذاريا"؛ بمعنى أن طروحاته لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليست من باب حقوق الشعب الفلسطيني، وإنما من باب "اللا مفر"، و"خوفا على يهودية الدولة". وأمام خطاب كهذا، يختار الإسرائيلي مبدأ القوة الذي يمثله اليمين، ليقول: "يوجد مفر من خلال ترسيخ الاحتلال ومبدأ القوة".
أما العامل الثاني، فهو من ناحية يخدم اليمين، ويقلق في الوقت ذاته المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة، ويتمثل في تنامي نسبة المتدينين بين اليهود؛ إن كان المتدينون من "التيار الديني الصهيوني"، أو من المتدينين المتزمتين "الحريديم". وحسب معطيات دائرة الإحصاء الرسمية الإسرائيلية، فإن 30 % من مواليد اليهود في السنوات الأخيرة، هم من جمهور "الحريديم"، و21 % من التيار الديني الصهيوني. لذا، لا عجب من تنامي الأفكار اليمينية المتشددة بين الأجيال الشابة.
أما القلق الإسرائيلي، فهو نابع من "الخوف على علمانية الدولة" وتطور اقتصادها، خاصة بسبب تنامي "الحريديم" ونمط حياتهم التقشفي، على الرغم من أن كتاب القوانين الإسرائيلي خاضع منذ عشرات السنين للشرائع اليهودية، وفيه الكثير مما يصب في خانة الإكراه الديني.
على الرغم من هذه الحال، وما أظهره الاستطلاع من تبني 55 % من الإسرائيليين للمقولة الصهيونية بأن "كل العالم ضدنا"، إلا أن الغالبية من اليهود في إسرائيل، لا تثق بالكيان الذي تعيش فيه، إذ إن 50 % من اليهود يوافقون على هجرة أبنائهم من إسرائيل، وترتفع هذه النسبة لدى الجيل الشاب إلى 56 %.
وهناك مؤشر آخر في الاستطلاع يبدد محاولات الصهيونية "تجميل" صورة مجتمعها. إذ بعد 66 عاما من وجود الكيان، فإن 80 % من اليهود في إسرائيل على قناعة بأن الصراع الطائفي اليهودي ما يزال قائما، وبقوة. وهذا ما تحاول الصهيونية نفيه في السنوات الأخيرة. إذ قال 41 % من المستطلعة آراؤهم إن قضية الطائفية هي الشغل الشاغل في مجتمعهم بشكل دائم، بينما قال 39 % إنها قضية تشغل الرأي العام من حين إلى آخر. ما يساعد إسرائيل، في السنوات الأخيرة، على عدم ظهور هذه التناقضات إلى السطح، هو حالة عدم الاستقرار في المنطقة، والأجواء الإقليمية. وما من شك في أن الظروف الإقليمية الحالية ستكون عابرة، حتى إن طال بها الزمن قليلا. وفي يوم قريب، ستعود إسرائيل إلى مواجهة واقعها الداخلي بشكل أشد، لتطفو الأزمات الداخلية الهادئة نسبيا إلى السطح مجددا، وتعود الصهيونية لتصارع ذاتها من جديد.

التعليق