اتفاق المصالحة الفلسطيني – بين التجميل والفرصة للتغيير

تم نشره في الخميس 15 أيار / مايو 2014. 11:00 مـساءً

كوبي ميخائيل واودي ديكل



يشبه اتفاق المصالحة الفلسطينية الداخلية بين فتح وحماس في جوهره اتفاقات سابقة بين الحركتين (مكة 2007، القاهرة 2011 وإعلان الدوحة 2012) وهو يتضمن تشكيل حكومة إجماع وطني من التكنوقراطيين برئاسة الرئيس عباس واجراء انتخابات للبرلمان ولرئاسة السلطة الفلسطينية. وتقرر في التفاهمات تأجيل البحث في المسألة الامنية العامة لمستقبل الذراع العسكرية لحماس وقدراتها. وسيعالج الموضوع في اطار لجنة أمنية تتشكل فقط بعد تشكيل حكومة الوحدة. والمعنى هو استمرار الوضع القائم، اي ادارة منفصلة للضفة الغربية وغزة. ولا يشير الاتفاق إلى مواعيد ملزمة لاستكمال المشاورات لتشكيل حكومة الوحدة وليس فيه موعد واضح لإجراء الانتخابات حتى بعد استكمال تشكيل الحكومة.
يلزم تحليل اتفاق المصالحة الفلسطيني بالنظر إلى ما ليس فيه، بقدر لا يقل عن محاولة الفهم لما فيه. فرغم قلة بنود الاتفاق، الذي يتناول موضوعين فقط، ورغم الأهمية الشديدة للمواضيع الغائبة عن الاتفاق، والتي من شأنها أن تعرقل فرص تطبيقه، من المهم التطرق للمعاني النابعة عن مجرد تنفيذه في هذا الوقت.
وصل الطرفان إلى الاتفاق كنتيجة ضعف داخلي، كل طرف بسبب التضعضع المستمر لقاعدة الشرعية والتأييد الجماهيري له. وبهذا الفهم، فان السياسة الداخلية للجهتين الفلسطينيتين هي التي أملت الخطوة. حماس تعيش في وضع من الدرك الاسفل بسبب المواجهة مع الحكم المصري الحالي، بعد عزل سيدها- الاخوان المسلمين- عن الحكم.
واضافة إلى ذلك، فإن فقدان التأييد الجماهيري لحماس ينبع من الأزمة الاقتصادية المستمرة في قطاع غزة بسبب اغلاق الانفاق والحصار الشديد المفروض على القطاع من جانب مصر. عباس هو الآخر يفهم بأنه فقد تأييد الجمهور الفلسطيني في ضوء انعدام الجدوى من طريقه السياسي. ومشكلة الشرعية لدى عباس هي أول وقبل كل شيء في اوساط جمهوره الداخلي، وبالأساس شباب فتح الذين ملوه وملوا القيادة حوله. وإلى جانب ذلك يحرك عباس الاحساس بانه قد يخلف إرث الانقسام في المعسكر الفلسطيني.
اذا كان دافع الاتفاق بالفعل داخليا ويرمي إلى توسيع أساس الشرعية لعباس، فمطلوب الاستيضاح عن أي شرعية بالضبط يجري الحديث وما هي الآثار على السياسة الخارجية. فهل بالفعل يدور الحديث عن شرعية توسع مجال مناورته السياسية حيال إسرائيل؟ وهل بصفتها هذه تمنحه مرونة لحلول وسط مهمة من ناحيته؟ إن المحاولة لتعليق جهود عباس وعرضه كجهود أو انعدام بديل لغرض توسيع أساس الشرعية من الداخل، معناه التأييد، حتى وإن لم يكن بوعي، لتشجيع التحريض وتطوير فكرة الكفاح والمقاومة. فخطاب الكراهية في الجمهور الفلسطيني يؤدي إلى تضييق وتقليص مجال المناورة السياسية لعباس، ويكون عبئا على رقبته، مهما كان براغماتيا.
يخيل أن مركزي القوة في الطرف الفلسطيني يفهمان امكانية انهيار الاتفاقات بسبب الفوارق الهائلة بينهما والتناقض الفكري العميق الذي بين الايديولوجيا الدينية، الاسلامية لحماس وبين الايديولوجيا الوطنية لفتح. فالاتفاق لا يغير جوهر حماس كمنظمة ارهابية وليس فيه ما يجعل السلطة الفلسطينية، (م.ت.ف) أو عباس يمثلون المرجعية والسلطة للفلسطينيين في قطاع غزة أيضا. المرحلة الانتقالية الحالية – حتى تنفيذ الاتفاق – هي الفترة الأصعب من ناحية حماس، التي تمنح عباس شرعية متجددة. وبالمقابل، فان فتح وعباس يجران الأرجل ويؤخران تشكيل الحكومة في ظل محاولة اجتذاب حماس قدر الامكان إلى الوضع الانتقالي الحالي.
تشكل حكومة التكنوقراط جهازا يستهدف السماح للطرفين بالسكن ظاهرا في رزمة واحدة دون أن يضطر اي من الطرفين إلى التنازل عن ايديولوجيته التأسيسية. ومن شأن الآلية المقترحة أن تتبين كإشكالية وخطيرة لمجرد امكانية ما فيها من التحول إلى لبنان. حماس، مثل حزب الله في لبنان، يمكنها أن تكون جزءا من آلية سياسية وشريكا في الحكومة، في ظل الحفاظ على قدراتها العسكرية (وزعماء حماس في غزة شددوا على ذلك منذ الآن!) وعلى حرية العمل العسكري بشكل يخدم مصالحها الاستراتيجية المهمة.
من المهم التشديد على أن كل موافقة دولية على مثل هذه الصيغة، في ظل الاعتماد على الأماني بشأن احتمال اعتدال حماس في اليوم التالي، تنطوي على بذور الاضطراب لواقع لا يطاق بالنسبة لإسرائيل. فمحاولة تمييز الحالة الفلسطينية على الحالات الاخرى في المنطقة، هي نوع من الأمنية والتجاهل لعمق الايديولوجيا الدينية التي في المذهب الفكري لحماس.
اذا ما وعندما يتقدم واقع اتفاق المصالحة، من شأن إسرائيل أن تجد نفسها أمام مشكلة مركبة حيال قطاع غزة. فكيف بالضبط ستعمل إسرائيل حيال عباس، الذي بقوة الاتفاق يصبح مسؤولا أيضا عن قطاع غزة، في حالة اطلاق صواريخ من القطاع؟ هل ستضطر إلى تلطيف ردود فعلها في مواجهة ادعاءات الاسرة الدولية بان رد فعل حاد من شأنه أن يمس بالسلطة الفلسطينية ووحدتها الهشة؟ كيف ستتمكن إسرائيل من أن تدير مع عباس مفاوضات سياسية إلى جانب مباحثات حول الارهاب ووجود بنى تحتية ارهابية في قطاع غزة بل ويحتمل في الضفة الغربية أيضا؟ فضلا عن ذلك، كيف يحل الفشل المنطقي القائم في اشراك منظمة ارهابية، تعارض اتفاقات اوسلو في حكومة كيان اقيم بقوة تلك الاتفاقات؟
يعتزم عباس على ما يبدو أن يعرض حكومة تكنوقراط تقبل شروط الرباعية الثلاثة – نبذ الارهاب والعنف، الاعتراف بالاتفاقات السابقة والاعتراف بإسرائيل، اضافة إلى الموافقة على المفاوضات السياسية مع إسرائيل بشروط. وذلك دون تحدي حماس. بهذه الطريقة، يتوقع عباس اثراء صندوق أدواته كممثل لعموم الشعب الفلسطيني، الامر الذي يمنح وزنا ومفعولا آخر لتوجهه إلى الساحة الدولية لتحقيق اعتراف واسع بدولة فلسطينية ووضع التحدي أمام إسرائيل.
رغم أنه من المعقول الافتراض بأن المصالحة لن تصمد، كون حماس لن تتخلى عن حكمها في القطاع ولن تحل قوتها العسكرية ورؤيا عباس – "سلطة واحدة وسلاح واحد" – لن يتحقق، فان على إسرائيل أن تكون قاطعة في مطلبها بان على حماس أن تقبل شروط الرباعية.
 كل تلوٍ متذاكٍ أو غض نظر ينطوي على بذور الاضطراب ويؤدي إلى التآكل في تعريف الأسرة الدولية لحماس كمنظمة ارهابية. الأمر الذي من شأنه أن يضع إسرائيل في واقع تتهم فيه بعرقلة خطوة المصالحة الفلسطينية، حتى في وضع تضطر فيه إلى العمل في غزة في أعقاب ارهاب صاروخي.
نهج آخر لتحريك المسيرة السياسية
في حالة قيام حكومة اجماع تكنوقراطية، فان احد الخيارات التي تقف امامها إسرائيل هي الانتقال من خطاب المقاومة إلى المصالحة ومحاولة اعادة تحريك المسيرة السياسية، ولكن مع تغيير جوهري في صيغة المسيرة. والمقصود هو الانتقال من البحث في المسائل الدائمة، والتي لا يمكن للفجوات أن تجسر في المستقبل القريب، إلى البناء التدريجي بواقع الدولتين، في ظل مساعدة الفلسطينيين على بناء كيان سياسي مسؤول مستقر وفاعل.
في مثل هذه الحالة يمكن لإسرائيل أن تطالب بمسؤولية السلطة الفلسطينية وبالأساس عباس عن قطاع غزة وتقترح جعل القطاع المدماك الاول في مسيرة متدرجة لبناء الدولة الفلسطينية.
إذا ما عملت الحكومة بقيادة عباس بمنطق دولة، وأثبتت أنها قادرة وراغبة في بناء الاساس المناسب لكيان فاعل، فان على إسرائيل أن تطرح طلبا في أن تركز الحكومة في المرحلة الاولى على اعادة بناء قطاع غزة وتنميته وفي ظل ذلك سيطرة السلطة على المعابر إلى القطاع. اذا ما أبدت الحكومة الفلسطينية الرغبة والقدرة، وإلى جانب ذلك عملت بتصميم على القضاء على شبكات الارهاب والشبكات العسكرية غير الدولية في قطاع غزة، فستقوم المرحلة الثانية – بمساعدة الاسرة الدولية، إسرائيل والعالم العربي – للمساعدة في سياقات البناء بما في ذلك ميناء بحري (مع الترتيبات الامنية الضرورية). وفي المرحلة الثالثة، بعد التقدم المثبت، توجه مساعي التنمية إلى الضفة الغربية، في المناطق ج، لغرض بناء واقامة بنى تحتية اقتصادية بل وإقامة مجالات مدنية جديدة، يعاد فيها تأهيل اللاجئين من مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية حيث الظروف صعبة على نحو خاص.
الخلاصة، بقدر ما يبدو السيناريو خياليا، يجدر بحكومة إسرائيل ألا تعارض مبدأ المصالحة، بل أن تطرح مقابله نهجا آخر لتحريك المسيرة السياسية في ظل الاشتراط بان تقبل حماس شروط الرباعية الثلاثة وأن تكون حكومة السلطة صاحبة الاحتكار على القوة وعلى الأرض الاقليمية الخاضعة لسيطرتها.

التعليق