موفق ملكاوي

حياة مستباحة!

تم نشره في السبت 25 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً

أكاد أجزم أنه يتم تصويري مئات المرات في اليوم الواحد. ليس فقط بواسطة كاميرات علنية أو هواتف ذكية في أيدي أفراد العائلة أو الأصدقاء، بل أيضا بواسطة كاميرات مراقبة أو أخرى سرية.
هذه إحدى "مزايا" التقدم التكنولوجي الذي أصبحت فيه حياتنا مستباحة من كل الجوانب.
كاميرات للشركات والبنوك والمؤسسات العامة والخاصة، جميعها لا تكتفي بتصويرك داخل منشآتها ومبانيها، بل إنها تعمد إلى تسجيل حركاتك وسكناتك منذ اللحظة التي تركن فيها سيارتك قريبا منها بعشرات الأمتار.
الاستباحة تتعدى جميع الأجهزة الخلوية الحديثة التي تورطنا بها، وأصبحنا غير قادرين على الفكاك منها؛ فهي تشتمل على برامج محادثة وتسجيل صوتي وكاميرات، وهي أدوات تستقصي استباحة خصوصياتنا، وتدمر ما تبقى لنا من مساحة حرة نتحرك فوق متاهتها.
البريد الإلكتروني الذي استبدلنا به مكتب البريد بطوابعه اللاصقة، ربما يتجسس علينا؛ فرسائل إلكترونية عديدة، تضع فيها أكثر مناطق حياتك خصوصية، لكنك في المقابل لا تدري إلى أين تذهب نسخ منها، حتى وأنت تضغط على زر الحذف!
محرك البحث العملاق "غوغل"، والذي يستحوذ على أكثر من 40 % من إجمالي عمليات البحث على الإنترنت، والذي بات لا يمكن الاستغناء عنه لأي متصفح اليوم، يجمع البيانات والمعلومات عن اهتماماتنا وتوجهاتنا، ولا ندري بالضبط أين تتجه كل تلك البيانات، ومن يستفيد منها.
ورغم أن "غوغل" أعلن قبل بضع سنوات عن تبنيه إجراءات لدعم خصوصية مستخدميه، وبأنه سوف يمسح بياناتهم دوريا، لكنه أكد أنه سيحتفظ بها فترة تزيد على عشرين شهرا.
جميع رسائلنا الإلكترونية والرسائل النصية، ومحادثاتنا الهاتفية واستخداماتنا للتطبيقات الحديثة ببرامج مثل "فايبر" و"تانغو" و"سكايب" و"واتس آب" وغيرها، تكون مكشوفة ومباحة لعدد من الجهات، ولا تخضع لأي خصوصية أو سرية، حتى لو اعتقدنا عكس ذلك.
المشكلة الكبرى، أن اطلاع تلك الجهات على خصوصياتنا يتم بشكل قانوني عن طريق الشركة المنتجة للتطبيق، وأيضا الشركة المزودة للخدمة. ويتضاعف عدد الجهات المخترقة لخصوصياتنا عندما يتم التراسل بين شخصين من مزودين مختلفين.
ولم يتوقف الأمر عند هذه الحدود فحسب. إذ حتى موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، والذي نرى فيه معينا على قتل الروتين وتشارك الأفكار والآراء بحرية، اكتشفنا خلال الأسبوع الماضي، أنه يهدر خصوصيتنا هو الآخر، ويقوم برصد وتحليل رسائلنا الشخصية من دون علمنا، وينقل البيانات إلى جهات إعلانية.
تلك بعض الصور من الحياة المستباحة التي نعيشها اليوم بواسطة المؤسسات الرسمية والخاصة، والتكنولوجيا الحديثة التي وفرت أدوات لرصد حياتنا البائسة، حتى غدونا لا نشعر بأي خصوصية في أي عمل نقوم به، أو خطوة نخطوها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »استفسار (فتحي ملكاوي)

    السبت 25 كانون الثاني / يناير 2014.
    كلام صحيح 100% يمكن استرجاع كل ما يريدون وما يحتاجون - اما استفساري هو وكما تعلمنا ان المادة لاتفنى والصوت مادة فهل ومع تطور التكنولوجيا ممكن استرجاع الاصوات من الفضاء كالانبياء وما قبلهم وما بعدهم مثلا .
  • »الكل يعرف كل شئ عن الكل (م. فيكن اصلانيان)

    السبت 25 كانون الثاني / يناير 2014.
    في برنامج وثائقي عن استخدامات تكنولوجيا المستقبل، ونحن نتكلم هنا من 5 الى 10 سنوات، سيكون بالامكان عن طريق نظارات موصلة بالانترنت والدماغ، او عن شريط لاصق صغير يوضع على الراس، او طاقية، ترجمة نبضات وحركات الدماغ وتخزينها او نقلها رقميا، حيث سيكون بالامكان معرفة وتخزين تخيلات وافكار المستخدم. كان البرنامج مثيرا ويطرح الموضوع بايجابية ساذجة، حيث تم طرح تصور بان الصراحة وعدم وجود اقنعة بين الناس حيث جميع سكان الارض تتصل ادمغتهم ببعض لتشكل كتلة فكرية واحدة تنقل وتخزن الافكار والتصورات، ينهي الكذب والنفاق الاجتماعي والسياسي، ويؤسس مسارا يصبح الانسان جزء من منظومة متكاملة له الحق بالمشاركة بصنع القرار وتنفيذه، وتصبح الدولة غير قادرة على التدخل بما يعتقده المواطن، والمعرفة المسبقة للمخططات التي تؤثر على حياته. ويعتبر بأن نمطا سلوكيا جديدا سيبني مستقبلا ورديا. كنت اعتقد بانه مستقبلا سيبقى الفكر الحر الوحيد الخاص بالناس كقلعة وحيدة خاصة. البرنامج منتج من قبل علماء اختصاصهم المستقبل، ولكن تصور بان مثل هذه التكنولوجيا تصبح حكرا على بعض الاطراف والدول وحكوماتها، كما هي الشبكة الرقمية الآن؟ اعتقد بأن اضافة لانظمة حديثة يتم تلقائيا استعباد حياة الناس عن طريق منظومة استهلاكية مادية مصرفية مالية، لقاء راتب يبقي الفرد عالقا ما بين الطيران والغرق، داخل منظومة وفكرة الدولة الحديثة وما تنتجه من تطرف ووجود او اختلاق الاعداء من الداخل او الخارج، سيتم استخدام تكنولوجيا المعلومات لحصر، كبت، استغلال ومعرفة ما يدور بالراس من افكار وخيال. ولا اعرف لو كانت صياغة قوانين وتشريعات ستكون كافية لعدم استباحة الحريات التي بقدر نموها بسبب تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، مهددة بنفس التكنلوجيا بالكبت والاستغلال لحرية الفكر.