د.باسم الطويسي

الشرق الأوسط الروسي

تم نشره في السبت 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 02:00 صباحاً

دخلت العلاقات الروسية-المصرية مرحلة جديدة بعد الزيارة التي قام بها وزيرا الخارجية والدفاع الروسيان إلى القاهرة أول من أمس، وما تمخضت عنه من تفاهمات سياسية بتأييد روسي للنخبة السياسية الحاكمة حاليا في القاهرة، ودعم لخريطة الطريق المصرية، علاوة على اتفاقيات عسكرية كبيرة تشمل صفقات تسليح روسية وعد الجيش المصري بالحصول عليها، هي الأولى في حجمها ونوعها منذ غادرت العسكرية المصرية مربع التسليح الروسي قبل ما يقارب أربعة عقود.
يستثمر الروس، بهدوء وبأعصاب باردة، الفراغ والاستعصاء في الشرق الأوسط. وهذا يبدو واضحا في التعامل مع المرحلة الثانية من تحولات "الربيع العربي" التي تشهدها بنى النظم السياسية في العالم العربي والمنطقة. يبدو ذلك في النجاح الذي حققته الدبلوماسية الروسية مقابل الإرباك الأميركي في ثلاثة ملفات أساسية هي: ملف الأزمة السورية؛ إذ واصل الروس، بهدوء وصلابة، الحفاظ على حلفائهم التقليديين، وجنّبوا النظام السوري الانهيار المبكر. وقد أثبتت الأحداث قوة هذا الدور وفاعليته. كذلك، شكل الدور الروسي في الملف النووي الإيراني مساهمة كبيرة في تجنب إيران، طوال هذه المرحلة، ضربة عسكرية.  وهو الأمر الذي يتبلور في توافق مع الغرب، من المنتظر أن يصل قريبا إلى صفقة تاريخية قد تغلق الملف النووي الإيراني، وتوقف العقوبات الغربية المفروضة على طهران. والملف الثالث يتشكل في هذه اللحظات بعودة العلاقات الروسية-المصرية .
عودة روسيا القوية إلى الشرق الأوسط، تأتي هذه المرة من باب التقارب مع الغرب، وليس من البوابة التقليدية؛ أي الصراع والمحاور الدولية. فلطالما حلم الروس، في عز إمبراطورية الاتحاد السوفيتي، في الوصول إلى المياه الدافئة، وتثبيت أقدامهم هناك. ولكن يبدو أن ما لا يؤخذ بالصراع، يمكن أن يأتي بالدبلوماسية الحذرة وبالتفاهمات، على الرغم من أن تقارير بريطانية حذرت من التحرك الروسي نحو مصر (بأن روسيا بدأت استعراض عضلاتها في منطقة الشرق الأوسط).
وهنا تبدو أهمية التقارب الروسي-المصري بعد أن أوقفت الولايات المتحدة ودول غربية عمليات تسليح للجيش المصري. إذ تسربت معلومات تتحدث عن أنظمة تسليح غير عادية ينتظرها المصريون من الروس، تشمل نظاما للدفاع الجوي، وصواريخ، وبناء منشآت للبحرية الروسية في ميناء الإسكندرية، ودرعا دفاعية ضد الهجمات الصاروخية تحمي قناة السويس والبحر الأحمر.
ثمة رغبة مشتركة تقودها القوى الكبرى في تجنب الدخول في أحداث كبيرة أو أزمات مفاجئة، فالكل ينتظر. سياسياً، هناك حالة من توازن الضعف تسود العالم، بفعل موجة العسكرة الهائلة التي لم تمارسها الولايات المتحدة وحدها على مدى عقدين، بل مارستها أيضا روسيا والصين، وبعض الأطراف الأوروبية. هذا المناخ الدولي يستثمره الروس في الشرق الأوسط في مرحلة الصياغة الثانية، حيث من المتوقع أن يدخل الشرق الأوسط مرحلة كساد سياسي، يضرب بالصغار والكبار معا.
التهدئة الجديدة تعني، أيضا، أنّ مرحلة الحصار على وشك الانتهاء؛ وهو الحصار الممتد من فرض العقاب الجماعي على المجتمع الفلسطيني تحت ذريعة حصار "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، وصولاً إلى العزلة السياسية الدولية على إيران. ما يعني بدوره أننا أمام مواسم من الصفقات السياسية التي قد تعيد كتابة تاريخ هذه المنطقة لعشرات السنين المقبلة.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نظرة واقعية (هاني سعيد)

    السبت 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    مقال مثل هذا يستحق الاهتمام والتقدير لما له من اهمية شمولية لمنطقة الشرق الاوسط باسلوب علمي راقي يستند الى التحليل المنطقي والادلة العملية الحية لمجريات الامور في منطقة تموج بالاحداث والمعطيات المهمة لنا وللعالم حيث تغير اسلوب التعامل بين عملاقة الدول الكبرى والذي يشكل انعكاسا سواء سلبيا اوايجابيا على منطقتنا الذي تعتبر جزء من العالم وليتنا نتعظ ونحذو هذا المسلك في هذا التعامل حتى نصل الى الغايات المنشودة لهذه الامة < ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم > صدق الله العظيم
  • »يخططون لمصالحهم ونخطط لبقاءنا (فيكن اصلانيان)

    السبت 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    منذ قرون وتاريخ منطقتنا يتم تغييرها وكتابتها من قبل غيرنا، ربما منذ حرق مكاتب بغداد ودمشق من قبل المغول تمهيدا لوصول العثمانيون الاتراك وتوريثنا التخلف بدلا من توريثنا البنية التحتية الاجتماعية الثقافية السياسية والاجتماعية، وبالقريب الماضي، فشل الغرب واولهم الولايات المتحدة بالاستثمار الايجابي لانهيار الاتحاد السوفيتي، واصبحوا يناورن للتحكم بثرواتها وبالتالي التمهيد لصعود اليمين بنخبة روسية حاكمة ادارات شؤونها بحكمة ولو بالقوة احيانا. حلمنا وقت ريغان وجورباتشوف بنظام عالمي جديد بعدالة اجتماعية وتوزيع الثروات وطبعا اتفاقيات العولمة التي اثبتت فشلها بحماية الطبقات الفقيرة والمتوسطة. كوني فكريا انسان مسالم ومؤمن بالمثالية والحياة السياسية المدينة التعددية، الا ان الواقع شئ آخر ونحن مجبرون على اللعب بنا لحين جمع وبناء طاقاتنا الاقليمية حيث لن ننجح الا باتحاد مصادر قوى منطقتنا وهذ يبدو بعيد المنال ويسير باتجاهات غير محمودة عقباها مستقبلا. مع انني ضد الصراعات المسلحة او غيرها، الا انني ارحب باعادة دخول روسيا الملعب بقوة لاعادة التوازن بالاوراق التي بايادينا، فكيف لدولة من المفروض ان نكون حليفة لها، ان لم نكن بجيوبها ان تكون حليفا اقوى لدولة تم زرعها قبل قرن بتشريد سكانها واحتلال اراضيها الفلسطينية. حبذا لو ايضا تم استثمار القوة الصاعدة الصينية لزيادة هامش المناورة ثلاثيا. مراحل ضرورية ولعبناها منذ عقود ولا نزال مجبرون على لعبها املا في التوفير النسبي من الامن والحماية وحياة كريمة لسكان المنطقة. دخول قوى عالمية من جديد للمنطقة سيكون له تاثير ايجابي بالمدى القريب وكارثي على المدى البعيد في حال عدم لم شمل دول المنطقة للاهداف الاستراتيجية اساها الانسان والمواطن، بالاصلاحات التي تفرض نفسها بقوة، سياسية واقتصادية. للاسف وما اكثر ما نستعمل الاسف، لنتخيل مؤتمر قمة عربي لحكومات الشرق الاوسط وليس صعبا انت نتخيل نتائجها، هذا ان اجتمعوا.