عودة ليبرمان

تم نشره في السبت 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 03:00 صباحاً

لم يغب أفيغدور ليبرمان عن الساحة السياسية الإسرائيلية منذ أطل عليها في منتصف التسعينيات من القرن الماضي؛ فهو الحاضر القوي، حتى حينما غاب عن الكنيست ودوائر القرار. إلا أن قرار المحكمة "بتبرئته" من تهمة فساد، بعد أجهضت النيابة الإسرائيلية بقرار منها، واحدا من أضخم ملفات الفساد التي شهدتها إسرائيل لكبار السياسيين، هذا القرار سيعيد ليبرمان إلى "مطبخ القرار" الضيق في حكومة بنيامين نتنياهو. ليس هذا فحسب، بل إن ليبرمان حتى صبيحة يوم الأربعاء الماضي، هو ليس ليبرمان الذي ظهر في ظهيرة اليوم ذاته.
فقد ظهر ليبرمان على الساحة السياسية حينما عيّنه نتنياهو، في النصف الأول من التسعينيات، مديرا عاما لحزب الليكود، لينتقل في العام 1996 إلى منصب المدير العام لديوان رئاسة الحكومة، ثم لينشق عن نتنياهو والليكود مشكلاً حزبا في العام 1999، ويدخل الكنيست على رأس كتلة نيابية من أربعة نواب، قفزت في انتخابات العام 2006 إلى 11 نائباً، وفي العام 2009 إلى 15 نائباً، ثم تراجعت محتلة 11 مقعدا في انتخابات مطلع العام الحالي، من خلال الشراكة في لائحة انتخابية واحدة مع حزب الليكود، أرادها ليبرمان، لأنه خاف على تمثيل حزبه في أوج التداول في ملفات الفساد التي كانت تحيط به.
وعلى مدى ما يربو من عشرة أعوام، واجه ليبرمان تحقيقات متشعبة بقضايا فساد. وسبقت هذا تحقيقات متفرقة في قضايا تتعلق أيضا بالفساد، إلا أن الحلبة الإسرائيلية فوجئت قبل نحو عام، بقرار النيابة الإسرائيلية إجهاض الملف الضخم، بزعم ضعف الأدلة، ولتبقى قضية هشة برّأته منها المحكمة في الأيام القليلة الماضية. وهذه قضية أتينا عليها هنا عدة مرات.
أما الآن، فإن ليبرمان سيعود بعد يومين أو ثلاثة لتولي حقيبة وزارة الخارجية. وسيعيد بذلك إلى نفسه ملفات تقاسمها وزراء تتعلق بالسياسة الخارجية. ولكن الأهم بالنسبة لليبرمان، هو تحويل التبرئة إلى خشبة قفز إلى أعلى ما يمكن في هرم الحكم في إسرائيل. فهو لن يرضى بالبقاء كتلة شريكة لحزب الليكود. وقد ألمح عدد من زملائه إلى النية بفض الشراكة، لتكون "إسرائيل بيتنا" كتلة مستقلة لها 11 مقعدا، مقابل إبقاء 20 مقعدا لحزب الليكود الحاكم.
وهذا لا يعني أن ليبرمان سيخرج من الحكومة؛ على العكس تماما. فإذا رأينا حتى الآن حكومة فيها ثلاثة رؤوس: نتنياهو، ورئيس حزب "يوجد مستقبل" وزير المالية يائير لبيد، ورئيس حزب المستوطنين "البيت اليهودي" الوزير نفتالي بينيت؛ فإن ليبرمان سينضم إليهم، وسيعمل على تعزيز مكانته ليكون هو أيضا مركز ثقل قوي في الحكومة.
أكثر من هذا، فإن ليبرمان لم يتخل أبدا عن هدف وصوله إلى رئاسة الحكومة. وهو يعتقد أنه الشخص الأقوى ليجلس مكان نتنياهو. وهذا ما تعرفه شخصيات كبيرة في حزب الليكود، رفضت فكرة نتنياهو بالدمج بين الحزبين، "الليكود" و"إسرائيل بيتنا"، لأن هذا من ناحيتهم هو فتح للأبواب على مصراعيها أمام ليبرمان لتولي رئاسة الحزب في حال تنحي نتنياهو.
إن "تبرئة" ليبرمان وإغلاق ملف فساد أضخم في صيغته الأولى، زاد من الأسئلة الشائكة التي تُطرح في الحلبة الإسرائيلية، والمتعلقة بحجم الفساد، ومدى استقلالية النيابة ومعها جهاز القضاء. وهذا ملف كنا طرحناه في المقال السابق هنا، في الأسبوع الماضي؛ إذ بدأت تظهر تقارير عن أشكال "الخلل" في التحقيقات التي أجرتها الشرطة مع ليبرمان في السنوات الأخيرة، مثل غياب شهود وعدم استجواب شهود آخرين، وغيرها من القضايا.
على المستوى السياسي، فإن هذه التبرئة لن تزيد شيئا، لأن ليبرمان يعرض من دون توقف أجندته السياسية اليمينية المتطرفة. وعودته إلى رأس الدبلوماسية الإسرائيلية، ستصعد الخطاب الإسرائيلي ضد حلبات عديدة في العالم تعارض السياسة الإسرائيلية، منها دول أوروبية، على نحو ما حصل خلال ولاية ليبرمان في حكومة نتنياهو السابقة.

التعليق