إبراهيم غرايبة

جدلية المجتمعات والمبادرات الفردية: تركيا مثالا

تم نشره في الخميس 3 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 02:00 صباحاً

يبدو بديهيا ردّ النجاح الكبير لشبكة حركة "الخدمة" في تركيا، إلى قائدها محمد فتح الله غولين (جيلاني). لكن الواقع أنها عبقرية المجتمع التركي واستقلاليته. فهؤلاء الذين استجابوا لمبادرة غولين؛ من الناشطين والمتطوعين ورجال الأعمال والقادة الاجتماعيين، وأنشأوا منظومة عملاقة من العمل الاقتصادي والاجتماعي، إنما يعبرون عن مجتمع مستقل، ينظم نفسه حول احتياجاته وأولوياته. البلديات في تركيا، على سبيل المثال، تدير شبكة واسعة من الخدمات والموارد والأعمال. والبرامج والعروض السياحية. في تركيا تشكل البلديات العمود الفقري في تنظيمها وإدارتها، لأنها تشكل موارد للبلديات، تساعدها على الخدمة وأداء دورها!
في كتابه "صعود قوى الثروة"، يعتبر المؤلف وليّ نصر أن نجاح نموذج حزب العدالة والتنمية في تركيا، وقدرته على التوافق داخليا وخارجيا، مرده إلى البرنامج الاقتصادي للحزب؛ بل يعتبره (المؤلف) أفضل نموذج واعد في المنطقة من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية وتحرير السياسة. ومن اللافت في تركيا أن المحافظين الذين دعموا الصحوة الإسلامية، هم أنفسهم الذين يقودون الاتجاه نحو التعددية السياسية والعولمة الاقتصادية. ويقول نصر إنه ربما يكون مصير حزب العدالة والتنمية ليس مضمونا، ولكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الأيديولوجيا الكمالية فقدت سيطرتها على الشعب التركي، لأن التحالف الاقتصادي الذي ساند تلك الأيديولوجيا أصبح مفككا؛ فمبادئ المدن الصغيرة والرأسمالية أصبحت قوة فاعلة في الثقافة، وقيدت التجارة نفوذ الدولة، وحتى حزب العدالة والتنمية نفسه أصبح يضم في صفوفه عددا كبيرا من رجال المال والأعمال.
وهناك تحديات تواجه تركيا؛ مثل الركود العالمي، والموقف الأوروبي المتشدد من انضمامها إلى الوحدة الأوروبية، والحركات القومية التركية، والنزعة القومية التركية المتشددة. لكن على الرغم من كل ذلك، أظهرت تركيا بوادر واعدة في الانفتاح على المنطقة. وإذا واصلت مسارها هذا، فإنها ستصبح دولة ديمقراطية رأسمالية إسلامية. وسيعكس وجه الحداثة التركية اليوم، صورة العالم الإسلامي الأوسع غدا، إذا استطاعت قيادات الأعمال التجارية الصاعدة والطبقة الوسطى الملازمة لها، إكمال الطريق قدما.
الشاهد في المقولة هو أن أداء الطبقة الوسطى ينشئ منظومة اقتصادية واجتماعية تُطلق المبادرات، وتُنشّط المجتمعات وقدراتها. البداية هي مجتمعات مستقلة، تنتظمها طبقة وسطى نشطة وفاعلة!
وحتى في مجال التصدي للأزمة الاقتصادية العالمية، فإن تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية يلفت الاهتمام إلى النجاح الاقتصادي التركي والصيني والهندي والبرازيلي، وكيف تقود هذه الدول اليوم العالم وتنتشله من الكارثة! والسر في ذلك، كما يقول نصر، تعزيز القوى التجارية الناشئة في أرجاء العالم الإسلامي كافة، وسيكون ذلك مفيدا للاقتصاد العالمي، ولحشد الطاقات الاقتصادية والقوة الشرائية لأكثر من مليار مسلم. وكلما أزيلت القيود عن كاهل التجار الجدد، تمكنوا من تحقيق تقدم عظيم.
الصلات الاقتصادية ستثبت أنها أمتن الصلات القائمة بين العواصم الغربية والإسلامية، وستكون الأكثر أثرا في تكريس الحرية والازدهار.

التعليق