محمد أبو رمان

هل "التديّن الشامي" في خطر؟

تم نشره في الثلاثاء 1 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 02:00 صباحاً

قدّم صديقنا الباحث الأردني المتميّز مراد الشيشاني، المختص بالجماعات الإسلامية في تلفزيون "بي. بي. سي" في لندن، أمس، محاضرة عميقة، مدعّمة بالأرقام والمعلومات والوقائع حول طبيعة وجود "القاعدة" وحضورها في سورية، والدور الذي تقوم به حالياً.
المحاضرة انتهت بنقاش شيّق مع الحضور في مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية. وربما المساهمة النوعية التي قدّمها الشيشاني تتمثّل في المقارنة التي عقدها بين أجندة "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش)، وبين "جبهة النصرة" التي عملت على الاستفادة من الأخطاء السابقة للقاعدة وتجنّبها، وتعكس حرص "القاعدة" المركزية، بقيادة أيمن الظواهري، على "توطين السلفية الجهادية" في المجتمعات المحلية.
ربما هذا يقودنا إلى الخشية التي طرحها البعض، وهي مشروعة وواقعية، من اختطاف مسار الثورة الذي تأسس على مطالب الناس بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وقد انتهينا بالأمس إلى بيان يصدره 13 فصيلا إسلاميا، تتقدمهم "جبهة النصرة"، يتحدث عن إقامة دولة إسلامية في سورية.
وربما، أيضاً، يقودنا هذا الهاجس إلى سؤال آخر؛ فيما إذا كان نمط التديّن السوري المعتدل المنفتح، التاريخي المعروف، في خطر اليوم نتيجة صعود الحركات المتشددة، وتحديداً ذات الطابع السلفي الجهادي أو حتى التقليدي، بينما تمر الصوفية في حالة أقرب إلى الكمون والركود العام في المجتمع السوري؟!
هذه الهواجس والتساؤلات ناقشتها بصورة مفصّلة في كتابي الأخير "الإسلاميون والدين والثورة في سورية" (الصادر عن مؤسسة فريدريش إيبرت). إلا أنّ ما تجدر الإشارة إليه هنا، هو ضرورة التمييز بين اللحظة الاستثنائية الراهنة وحيثيات الثورة المسلّحة وما يرتبط بها من ظروف وشروط، وبين الوضع الطبيعي العام.
هذا التمييز مهم في تفسير الأسباب الكامنة وراء صعود التيارات السلفية؛ فالثورة المسلّحة انطلقت من الأرياف والأطراف نحو المدن الكبرى، مثل دمشق وحلب؛ وأيضاً لطبيعة التمويل الخارجي الذي يذهب أكثر نحو التيارات الإسلامية الإحيائية، ما يعزّز حضورها في الثورة المسلحة.
ويُنظر إلى الصعود السلفي في المشهد السوري الراهن بوصفه نقيضاً للصوفية التي تعاني حالة من الركود، يحيله مراقبون إلى أنّ التيارات والاتجاهات الصوفية البارزة عقدت، خلال العقود الماضية، "هدنة" غير معلنة مع النظام السوري، فضلاً عن أنّ هنالك اتجاهات منها، تحالفت معه ضد الفصائل الإسلامية الأخرى، وطغت الصبغة الصوفية على المؤسسة الدينية الرسمية.
بالطبع، مثل هذا الصعود السلفي مؤقت؛ محدّد بالظرف الراهن، ويرتبط عملياً بسيناريوهات المستقبل السياسي في سورية. فإذا استمرت الفوضى والحرب الداخلية، فإنّ ذلك سيعزز الاتجاهات المتطرفة عموماً. أمّا إذا انتقلنا إلى الحل السياسي وعودة الحياة الطبيعية، وانتعشت مسارات الحياة مجدداً في المدن السورية، فإنّ التيارات الإسلامية "المدينية" المعروفة، مثل الحركات الصوفية، كجماعة زيد والإخوان والشيوخ المعروفين بحماية تقاليد التديّن الشامي، سيستعيدون زمام المبادرة، ويملؤون الفراغ.
حتى في الأوساط السلفية، فإنّ الصيغة الشامية التاريخية المعروفة، التي تعود إلى بدايات القرن العشرين، وإلى المدرسة الإصلاحية، ستعيد هيكلة وجودها وقوتها؛ إذ هي تمتلك ميراثاً كبيراً لعلماء من أمثال بهجة البيطار، ومحمد رشيد رضا، وكامل القصاّب، وجمعيات إصلاحية لعبت دوراً حيوياً في النصف الأول من القرن العشرين في الحياة العامة والسياسية، مثل جمعيتي التمدن والغرّاء.
نمط التديّن السوري الشامي المنفتح مرشّح للتطور والانتشار والصعود، وليس الانحسار. لكن ذلك مرتبط بتحرر الشعب السوري وتمكّنه من بناء مستقبل يرسم بنفسه، من خلاله، نظامه السياسي والاجتماعي والثقافي.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »النمط سيكون صومالي افغاني طالباني قاعدي القتل . (شافيز)

    الثلاثاء 1 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
    نمط التدين الشامي المنفتح سيدي سيذهب وينكمش ويتجه الى نمط التدين ان ذلك تدين الصومالي والافغاني وتدين قتلة جبهة النصره وداعش وقاعة اللحم المشوي بتفجراتهم هنا وهناك ان سقط نظام البعث في سوريا كنا مع او ضد هذا النظام وستصبح الكلمه العليا القتل تحت شعار الله اكبر وهم بعيدون عن هذا الشعار.
  • »تحليل رغائبي (حميد)

    الاثنين 30 أيلول / سبتمبر 2013.
    من حق قارئ المقال أن يسأل الكاتب على ماذا بنى توقعاته التي قرر فيها أن التدين السوري الشامي المنفتح مرشح للتطور والانتشار والصعود وليس الانحسار كما قال، هل هو تحليل رغائبي مبني على ما يتمناه الكاتب ويأمل وقوعه أم مبني على معطيات واقعية، وشواهد يقينية؟ فيما ظهر لي أن توقعات الكاتب تلك غير مشفوعة بما يسندها من أدلة وبراهين...