إسرائيل بين العلمانية والأصولية

تم نشره في السبت 28 أيلول / سبتمبر 2013. 03:00 صباحاً

تسعى إسرائيل، بشكل عام، إلى الظهور وكأنها "الدولة العلمانية" و"الدولة الديمقراطية". ولكنها في الوقت ذاته تعلن أنها "الدولة ذات الطابع اليهودي"، والقصد هنا في تفاصيل إدارة "الحياة العامة" في إسرائيل، لنجد أنها مكبّلة بسلسلة من قوانين الإكراه الديني، ولنرى أن "علمانيتها" رهينة لليهود المتزمتين، وهم ليسوا على استعداد للتنازل عنها.
ففي الأيام الأخيرة، تتجه أنظار الإسرائيليين إلى مصير الزعيم الروحي لحركة "شاس" الدينية المتزمتة، عوفاديا يوسيف (93 عاما)، والذي يبدو أنه يصارع الموت، أو دخل إلى مرحلة الشلل الصحي، إن جاز التعبير، وفق آخر التقارير الطبية التي ظهرت أمس. ويقود يوسيف أكبر حركة لليهود المتزمتين الشرقيين، ولكن نشاطها الديني والاجتماعي لا ينحصر على المتزمتين (الحريديم)، بل يصل إلى أحياء الفقر اليهودية، والتي في غالبيتها الساحقة جدا من اليهود الشرقيين.
هذا ما جعل الحركة تحظى بقوة برلمانية مقرِرة في كثير من الأوقات؛ إذ تحتل في الدورة البرلمانية الحالية 11 مقعدا من أصل 120 مقعدا. وعلى الرغم من أنها تجلس حاليا في صفوف المعارضة، إلا أن الانطباع السائد هو أن وجودها هناك ليس إلا أمرا مرحليا، فهي المرشحة الأولى للانضمام إلى حكومة بنيامين نتنياهو في حال اضطر إلى تغيير تركيبة ائتلافه. وهذا أمر وارد جدا حتى نهاية الدورة البرلمانية في العام 2017.
ونظرا لمكانة الحركة، ومدى تأثير زعيمها الروحي، فإن وسائل الإعلام، على مختلف أنواعها، تخصص مساحات كبيرة لمتابعة الوضع الصحي ليوسيف. وبموازاة ذلك، ثمة تغطية خاصة لأسماء المرشحين لخلافته في الزعامة الروحية، نظرا إلى أن اسم الفائز بهذا المنصب، سينعكس على شكل أداء الحركة السياسي لاحقا. وهذا بحد ذاته يوضح إلى أي مدى تكون حركة بهذا الحجم مرتبطة بتوجهات زعيمها الروحي، رغم أن كل التوجهات مرتبطة بالمصالح الضيقة لهذه الطائفة اليهودية، ومدى تجاوب أي حكومة مع مطالبها المالية والاجتماعية.
حركة "شاس" ليست وحيدة، رغم أنها الأكبر بدون منازع. فهناك عدة طوائف مشابهة لدى اليهود الغربيين (الحريديم الأشكناز)، وهم أكثر تشددا من ناحية دينية. وتتحد هذه الطوائف الغربية ضمن كتلة برلمانية واحدة، لها اليوم سبعة مقاعد. ما يعني أن 18 مقعدا لليهود المتزمتين في البرلمان، مرهونة بعدد من الزعماء الروحيين، الذين بإمكانهم فرض توجهات، بعضها مصيري، في إسرائيل.
صحيح أنه في الأشهر الأولى لهذه الدورة البرلمانية، بدا وكأن المتزمتين يخسرون شيئا من تأثيرهم في الحلبة السياسية، خاصة من خلال قانون التجنيد العسكري الإلزامي الذي تسعى الحكومة إلى فرضه على "الحريديم" أيضا، إلا أن هذا الأمر ليس حاسما، وتطورات الأسابيع الأخيرة تدل على تراجع ما في حزب الليكود الحاكم، بشأن فرض التجنيد بالقوة على شبان "الحريديم"، ما يعني أن الليكود بدأ يعيد حساباته، كي لا ينسف جسور التواصل مع اليهود المتزمتين، بسبب احتمال عودتهم إلى الحكومة بدل أي كتلة من كتل الائتلاف الحاكم.
إن شكل انشغال إسرائيل بمصير عوفاديا يوسيف، هو مؤشر على أن إسرائيل لا تتخلى عن رهن إدارة جمهورها بما يطلبه المتزمتون. ولهذا، نرى أن إسرائيل ترفض تحرير نفسها من عشرات القوانين التي تفرض قيودا على جمهورها؛ مثل منع المواصلات العامة وشل الحياة في أيام السبت والأعياد اليهودية، وفرض قيود كبيرة جدا على مسألة الحلال، ليس في الطعام وحده، ومنع سن قانون للزواج المدني في إسرائيل، والكثير الكثير من القوانين، ما يبدد بدعة "علمانية إسرائيل".
يشكل المتزمتون اليوم نحو 13 % من السكان في إسرائيل، وأكثر من 15 % من اليهود فيها. وهذه نسبة ترتفع بشكل مستمر، وبوتيرة عالية، نظرا لتكاثر "الحريديم" بنسبة تعد من أعلى نسب التكاثر الطبيعي في العالم (أكثر من 3 % سنويا). وحسب التقديرات، فإن نسبة المتزمتين بين اليهود ستتجاوز 33 % في العام 2030، ما يعني مضاعفة قوتهم وتأثيرهم. وهذا ما يجعل أوساطا عديدة في إسرائيل والحركة الصهيونية تغرق في القلق من شكل إسرائيل مستقبلا.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

التعليق