حسابات عشرين عاما

تم نشره في السبت 14 أيلول / سبتمبر 2013. 03:00 صباحاً

أمس، مرت الذكرى العشرون لتوقيع أولى اتفاقيات أوسلو التي فاجأت العالم قبل ذلك بنحو ثلاثة أسابيع؛ حينما تكشفت مسألة اللقاءات السرية بين ممثلين إسرائيليين وفلسطينيين في العاصمة النرويجية. وبعد كل هذه السنين، نرى أن المفاوضات التي كان من المفترض أن تكون قد انتهت قبل 14 عاما بقيام دولة فلسطين، ما تزال عالقة، ولا نقول جارية؛ فيما الاستيطان ضاعف نفسه أربع مرات. فهل كانت "أوسلو" صحيحة؟ وهل لو لم تكن، لانتهى الصراع بقيام الدولة؟
لم أكن في تلك الأيام من مؤيدي اتفاق "غزة أريحا أولا"، أوسلو الأولى، وكنت على قناعة بأن تركيبة المجتمع الإسرائيلي، سياسيا واجتماعيا، ما كانت لتسمح باستمرار المفاوضات حتى حل الصراع. وللأسف، فإن ما كتبته قبل أربعة أيام من توقيع ذلك الاتفاق قد تحقق على الأرض، ولاسيما أن اليمين الإسرائيلي سيعود إلى الحكم، وهو ما تم بعد ثلاث سنوات، وعمل على تدمير الاتفاقية، وهذا ليس قبل اغتيال رئيس الوزراء إسحق رابين الذي، كما يبدو، "ذهب بعيدا مع الفلسطينيين" من وجهة نظر المؤسسة الإسرائيلية والصهيونية.
رغم ذلك، لا يمكنني، ولا يمكن لغيري، رسم صورة وردية لسيناريو لم يكن فيه مسار مفاوضات "أوسلو"، لأنه لم يكن هناك ما هو مضمون لأي مسار آخر، خاصة إذا تذكرنا الظروف التي كانت قائمة في تلك الأيام؛ فانتفاضة الحجر الباسلة التي أجبرت إسرائيل على الرضوخ والبحث عن حل الصراع، كانت قد دخلت دوامة الفوضى، وبدأت معالم التعب تتكاثر على شعب شارف على إنهاء العام السادس من تلك الانتفاضة.
يضاف إلى هذا اختلال موازين القوى العالمية في تلك المرحلة، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، والتحول إلى "عالم القطب الواحد"، وغيرها من التغيرات التي لم تكن في صالح القضية الفلسطينية في الحلبة الدولية.
كذلك، علينا لدى تقييم المسار التفاوضي على مدى عقدين، النظر الى العوامل الداخلية في الساحة الفلسطينية، رغم معرفتنا يقينا أن إسرائيل لم تقرر في أيام "أوسلو" التنازل عما اكتسبته بقوة السلاح. لكن في المقابل، كان الرأي العام الإسرائيلي في حال أفضل بكثير من اليوم، لأنه شعر على جلده انعكاسات انتفاضة الحجر، وبشكل خاص الأزمة الاقتصادية، وتردي وضعية دولته في الساحة الدولية، وكذلك على صعيد الأمان الشخصي، رغم أن الانتفاضة لم تكن مسلحة في سنوات زخمها.
وحين نتكلم عن الساحة الفلسطينية، فهذا بدءا من قيادة منظمة التحرير واستراتيجيات التفاوض، وآليات العمل على الأرض، بما في ذلك الاطمئنان الزائد وتراجع جاهزية المقاومة الشعبية، والتي حينما استؤنفت في العام 2000، أسكتها تسليح الانتفاضة في ظروف وأوضاع ليست ملائمة؛ فلم يؤخذ بالحسبان أن اسرائيل أضعف أمام انتفاضة شعبية جماهيرية واسعة ليست مسلحة.
أيضاً، لم يكن أداء الفصائل الفلسطينية بالمستوى المطلوب. فالفصائل التي رفضت "أوسلو"، كل حسب أجندتها ورؤيتها؛ فمنها المحكومة لشكل رؤيتها للمصلحة الوطنية العليا، ومنها المحكومة لحسابات وأجندات خارجية، لم يكن أداؤها بالشكل الذي يصب في دفع القضية الى الأمام. ناهيك عن أن هذه الفصائل استفادت أيضا من بنود في "أوسلو"، وأولها عودة الآلاف الى الوطن، وهذا جيد، ولاحقا المشاركة في اللعبة الانتخابية للسلطة الفلسطينية، وبشكل خاص حركة "حماس"، والانخراط في العمل الوظيفي في مؤسسات السلطة وغيرها.
وعادت تطفو على السطح مؤخراً المطالبة بإلغاء اتفاقيات أوسلو. لكن القضية لم تعد الاتفاقيات على الورق، لأن ما أفرزته "أوسلو" في المدن وكل التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، بات واقعا على الأرض، يتعايش معه الملايين في حياتهم اليومية على مدى 19 عاما. ولهذا، فإن من يطرح إلغاء "أوسلو"، عليه طرح البديل، ليس فقط من زاوية المفاوضات، بل أيضا لناحية شكل إدارة حياة الإنسان الفلسطيني اليومية، في الضفة والقطاع.
نحن في مرحلة شائكة. وقد يبدو المشهد سوداويا، والآفاق مسدودة. لكنها مرحلة ستمر حتما، لأنه لا يمكن لشعب أن يبقى تحت الاحتلال والقهر والقتل. وآليات وتجربة المقاومة الشعبية الجماهيرية موجودة، لكن يبقى السؤال: كيف ومتى وبأي جاهزية؟ فقبل أيام من 9 كانون الأول (ديسمبر) 1987، لم يتوقع أحد أن انفجارا شعبيا جبارا سينطلق ليغير الكثير على الأرض.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رابين فلسطيني (د. عبدالله عقروق / فرجينيا)

    السبت 14 أيلول / سبتمبر 2013.
    استاذ ابراهيم يعجبني جدا كتابتك انت والزميل علاء الدين عن فلسطين بارك الله فيكما .. اسمح لي ان اضيف معلومة على تحليلك الاكاديمي ان الراحل رابين كان رئيس الوزراء الاسرائيلي الوحيد فلسطيني الاصل مولاد في فلسطين قبل 48 . وسمع عدة مرات يصرح انه فلسطيني . طبعا هذا لا يعفيه من حوادث الاجرام التي ارتكبها بحق الفلسطينين . فما عدا ذلك فكل رؤوساء وزراء لاسرائيل هم من جنوب افريقيا وشرقي اوروبا والولايات المتحدة الامريكية. فالرئيس الحالي نتنياهو هو اول رئيس وزراء اسرائيلي ولد في الاراضي المحتله بعد عام 48 وبعد ان قامت دولة اسرائيل . هؤلاء يطلق عليهم صبرا . واغتيال رابين سببه الرئيسي كونه فلسطسنيا