إبراهيم غرايبة

سنغافورة ونظام الأكفأ: كيف تبنى النخبة؟

تم نشره في الأربعاء 4 أيلول / سبتمبر 2013. 02:00 صباحاً

يتأسس مشروع بناء الأمة في سنغافورة على وفرة في قيم المواطنة والالتزام بها، وتؤلف لها الأغاني، وتنظم لأجلها الحملات الاجتماعية والشعبية. وعندما استقلت سنغافورة العام 1965، كان البقاء هو التحدي الرئيس؛ ضمان بقاء دولة المدينة بأي ثمن.
يرى رئيس وزراء سنغافورة لي هسين لونغ أن النخبة هي مجموعة مركزية من الناس، تحتل المواقع الرئيسة للقوة والتأثير، وتحدد اتجاه المجتمع والبلاد. ومن هنا، تدافع النخبة الحاكمة في سنغافورة عن نظام حكم الأكفأ؛ فتستند النخبوية إلى الكفاءة بغض النظر عن العرق أو الطبقة أو القرابة. ويكسب أعضاء نخبة سنغافورة مكانتهم في ذروة المجتمع من خلال الموهبة المطلقة والعمل الشاق، كما قُيّما في المدارس والجامعات. وبدأت النخب تتشكل من خلال النظام التعليمي والقوات المسلحة والمناصب العليا للخدمة المدنية. وهناك أيضا نخب أخرى؛ دينية وأكاديمية واقتصادية، ولكن مركزية الدولة جعلت النخبة الحاكمة هي الذروة الحقيقية للمجتمع.
ثقافة الحكم في سنغافورة هي ثقافة تكنوقراطية. ويقول رئيس الوزراء لونغ "إن الحكومة حمت الموظفين المدنيين من التدخل السياسي، مانحة إياهم متسعا مريحا ليتدبروا حلولا منطقية لمشكلاتنا، بحيث يمكنهم أن يمارسوا الإدارة العامة في شروط مثالية، تشبه شروط المختبر". ولكن سنغافورة، كما يرى المؤلفان إزلاتكو إسكربس ومايكل دي بار في كتابهما "بناء سنغافورة: النخبوية والإثنية ومشروع بناء الأمة"، أوقعت نفسها في إشكاليات؛ فالتمييز بين القيادة الفنية والسياسية أمر مبهم وغامض.
وتشكل الموهبة قاعدة منطقية في نظام سنغافورة السياسي؛ إذ يقول لي كوان يو، أشهر رئيس وزراء لسنغافورة (1959–1990): إن سر الحكم الجيد يكمن في تحديد وتمييز أولئك الناس الذين لديهم مؤهلات مميزة موروثة وملموسة تقريبا، تدعى "الموهبة". وإن إيجاد هؤلاء وإعطائهم السلطة هو مفتاح الحكم الجيد.
يحدد هؤلاء الموهوبون في المدارس، ثم تتاح لهم فرص تعليم وتنشئة متقدمة. ويُعرّضون لتحديات متصاعدة الصعوبة، ثم يجري اختيار أفضلهم. ولكن نظام الحكم، كما يقول إسكربس ودي بار، تتخلله انحرافات أيديولوجية واجتماعية، ومحاباة عرقية وطبقية. وقد كرس الدستور وصاية النخبة؛ فمنصب الرئيس محجوز لفئات محددة منصوص عليها، ممن شغل أفرادها مناصب سياسية واقتصادية عليا. ويخضع المرشحون لفحص دقيق من قبل لجنة من 3 أعضاء، اثنان منهم هما رئيس ديوان الخدمة المدنية العامة، ورئيس مجلس المحاسبين العام. ويمثل رئيس الوزراء الحالي لي هسين لونغ، وهو ابن الزعيم التاريخي لي كوان يو، حالة صارخة على المحاباة والمحسوبية.
رغم ذلك، فإن النظام يعمل؛ فهناك موهبة كافية في السلالة، وهناك ما يكفي من الحقيقة في أساطير حكومة الأكفأ، وحكم النخبة والبراغماتية، لضمان أن تبقى دولة المدينة مستقرة ومثمرة. ولو أنه سُمح للواقع أن يبتعد كثيرا عن هذه المثاليات، لكان النظام بكامله سيتدهور إلى سياسات محسوبية أو سياسات محاباة الأصدقاء، وذلك شيء لن يُسمح له أن يحدث. فالانحرافات والعيوب في الحقيقة تلحق ضررا كبيرا بالنظام، ولكنها ليست شيئا قاتلا له. وتعتقد النخبة الحاكمة بوضوح أنها ثمن مقبول لنظام ينعم بالسلام والازدهار والاستقرار، وإن لم يكن نظاما كاملا لإعادة إنتاج النخبة.

التعليق