"العربي الجيد هو العربي الميت"

تم نشره في السبت 27 تموز / يوليو 2013. 03:00 صباحاً

ينطق ثلاثة من قضاة إسرائيل في مدينة حيفا، ظهر يوم الاثنين المقبل (29 تموز)، بحكمهم على سبعة من شبان مدينة شفاعمرو الفلسطينية، في محاكمة لا تجد لها مثيلا في عالمنا المعاصر كله. فهؤلاء الشبان السبعة، بنظر إسرائيل الرسمية والصهيونية برمتها، ارتكبوا "جريمة العصر"؛ إذ منعوا إرهابيا يهوديا من قتل المزيد من العرب في المجزرة التي ارتكبها في مدينتهم قبل ثماني سنوات، وسقط فيها أربعة شهداء و12 جريحا.
فبعد أسبوعين، تحيي شفاعمرو في شمال فلسطين، الذكرى الثامنة للمجزرة التي ارتكبها الجندي الإسرائيلي الإرهابي نتان زادة، في حافلة ركاب كبيرة كان يستقلها، بعد أن وصلت الحافلة إلى أحد الأحياء السكنية؛ إذ فتح رشاشه وأطلق النار على السائق الذي سقط شهيدا، ثم على جميع الركاب، فسقط ثلاثة شهداء آخرين، بينهم شقيقتان، كما جرح 12 شخصا آخر. وبينما كان يعيد تذخير رشاشه ليواصل القتل، هبّ من في الحافلة وانقضوا عليه لمنعه من مواصلة المجزرة، فمات الإرهابي بتدافع الناس هربا.
كان ردُّ الفعل الأول من عائلته في ذلك اليوم من والدته، التي سقطت بلسانها حينما كشفت حجم المؤامرة؛ إذ قالت إنها كانت تخاف مما يخطط له ابنها، وحذرت الجيش من أن يستمر ابنها في حمل السلاح، إلا أن أحدا لم يحرك ساكنا. كذلك، فإن كل ملابسات الأمر تدل على أن الإرهابي حظي بمساعدة كبيرة. لكن إسرائيل لم تحقق في كل هذا، بل راحت تحقق بكيفية موته، وكيف لم يسمح له العرب بمواصلة مهمته، ليقتل المزيد منهم!
نعم، هذا هو المنطق الذي دفع الأجهزة الإسرائيلية لأن تلاحق عشرات الشبان الذين خضعوا لتحقيقات خطيرة، وتم في نهاية المطاف إخضاع سبعة منهم للمحاكمة بتهم "القتل العمد"، والتشويش على عمل الشرطة، وغيرها من التهم! بينما لا تورد أي ذكر للدفاع عن النفس.
وفي هذه القضية، لن نجري مقارنة بين إرهابي يهودي، وبين فلسطيني ضحية كابن لشعب ضحية. ولكن في السنوات الأخيرة جرى قتل عدة شبان فلسطينيين لمجرد شبهة أنهم كانوا ينوون فعل شيء، ودُفنت حقيقة أمرهم معهم. وفي عدة قضايا ظهرت شكوك في دوافع جرائم قتلهم، إلا أن كل أولئك القتلة حصلوا على أوسمة دولة صهيون، وكان كل واحد منهم يحظى بصور ضخمة في الصحف الإسرائيلية، مع وصفه بـ "البطل".
إن إسرائيل في محاكمة شفاعمرو الخطيرة، تتبنى رسميا المقولة العنصرية التي تتردد على ألسنة الكثيرين في اسرائيل على مدى عشرات السنين، وخاصة بين جيل الشباب، وهي أن "العربي الجيد هو العربي الميت". وهذه أخطر عبارة من بين مجموعة من العبارات العنصرية التي تشمل: "عربي قذر"، وهي الأوسع انتشارا.
وأمام الأجواء السائدة، هناك شعور بعدم الاطمئنان بين طاقم محامي الدفاع. وهناك من يقدّر أن المحكمة ستدين جميع الشبان، أو بعضهم، بالتهم المنسوبة إليهم، ما دعا القوى السياسية إلى إعلان الإضراب العام في المدينة يوم النطق بالحكم، الاثنين المقبل، والتظاهر في حيفا.
مما لا شك فيه أننا لسنا أمام المحطة القضائية الأخيرة، فهذه قضية قد تستمر لفترة أطول. علماً أن المحاكمة بدأت بعد ثلاث سنوات من المجزرة، وهي مستمرة منذ نحو خمس سنوات. ولكن حتى لو كان الحكم في اتجاه آخر، وهذا احتمالاته قليلة جدا، فإن الشبان يدفعون الثمن يوميا؛ من تقييد للحركة محليا وخارجيا، والمطاردة بهواجس المحاكمة والأحكام المتوقعة عليهم. وعمليا، فإنه ليس بإمكان أي منهم ممارسة حياته الطبيعية وهو يواجه محاكمة بهذا القدر من الحقد والعنصرية.
نسمع من حين لآخر من يظهر في وسائل إعلام عربية ليقارن وضعية الحكم في بلاده بما يسمى "الديمقراطية الإسرائيلية". ومن المحزن أن هناك في العالم العربي من يتوهم ويشتري بدعة "ديمقراطية دولة اليهود". ولا أعلم إذا كانت هذه المحاكمة وحدها تجعله يتخلص من هذا الوهم، وينظر إلى الأمور بحقيقتها.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

التعليق