د.أحمد جميل عزم

أبو علي شاهين

تم نشره في الجمعة 14 حزيران / يونيو 2013. 02:00 صباحاً

زرته نهاية العام 2009 في شقته المتواضعة في رام الله. يزوره الضيوف ويغادرون بدون موعد، تماماً مِثلنا. كان لدي أسئلة عن إضرابات الطعام في المعتقلات.
منتصف 1991 في كافتيريا "الآداب" في الجامعة الأردنية، حيث مختبرات علم النفس اليوم، كنتُ أتحدث لزميلة أصغر سناً تتساءل عن نقص القيادات الفلسطينية؛ وكان استشهاد صلاح خلف وهايل عبدالحميد حديثاً، وقبلهما كان استشهاد خليل الوزير. شهقت زميلتي وأنا أحدثها عن قائد دولة، الأسير الفلسطيني أبو علي شاهين، الموجود حينها في العراق. كان الزملاء والأصدقاء ممن التقوه في الأردن أثناء وجوده فيها نهاية الثمانينيات، أو قابلوه في بغداد ينبهرون به. كنّا نتحدث عن دوره أثناء أسره من العام 1967 إلى 1982، ضمن نظام المعتقلات الذي يتضمن مركزية في اتخاذ القرارات بين السجون، وتحول المعتقلات إلى مدارس ومعاهد للفكر الثوري، وصولا إلى تعليم اللغات والعلوم المختلفة؛ ونظام رسائل الكبسولات الورقية التي توضع داخل قطع نايلون ويبتلعها من سيخرج من المعتقل، أو ينتقل لآخر ليستعيدها من أمعائه لاحقا. وتداولنا قصصا أكثر غرابة. كنا نتوقع منه الكثير.
كانت أم علي موجودة؛ فالمطبخ لا ينفصل عن حجرة الضيوف. أعدّت إبريق شاي كبيرا. همس صديقي القريب مني كلمات عن عظمة أم علي، وأشار إلى وضعها أكوابا يفوق عددها عدد الحاضرين، وقال: اعتادت حضور ضيوف جدد باستمرار. كان أبو علي جالسا قرب مدفأة الغاز على الأرض يصبّ الشاي للضيوف.
استمر الحديث ست ساعات، والضيوف يذهبون ويأتون ويشتركون في الحديث؛ فبعضهم رفاقه في المعتقلات. مما علق بالذاكرة، قصة انتقاله من معتقل لآخر. دخل الزنزانة واستند بظهره إلى الجدار، فسارع المعتقلون، إلى تحذيره أنّ هذا ممنوع، وأنّ قائد السجن يعاقب عليه. قال: فليعاقبوني. لم ينبس السجّانون، و"استمتع" الأسرى بالاستناد إلى الجدار. أمّا القصة الثانية، فمن كتابه "الهواء المقنّع"، الذي أهداني نسخة نادرة منه، وكتبتها سابقاً، وتعود للعام 1967 عندما ترك العمل في "الخليج"، وعمل مع ياسر عرفات وآخرين، على تأسيس بنية للمقاومة المسلحة في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويروي: كنا يوماً نمرُّ بإحدى قرى الخليل الغربية قادمين من غزة. متعبون جوعى، مررنا بجوار أحد البيوت. عوت الكلاب، وجاءت رائحة الطابون. طرقتُ الباب.أطّلت صبية جميلة مكتنزة الجسم ترتدي ثوباً شعبيّاً، وسألت: إيش يا اخوي؟ فقلت: بدنا رغيفين خبز. نظرت وحدّقت، ولعلها تأكدت من شيء، وقالت: دقيقة واحدة. عادت تحمل كل ما في الطابون من خبز. كان ساخنا حقاً، وكنا جائعين. فقلت لها: هذا كثير. وإذا بها ترد: يا عيب الشوم، تستكثروا علينا رغيف خبز، وأنتو بتجودوا بدمّكم. استنى أحضّر زوّادة.
وبعد مدة، عدنا من نفس الطريق، فإذا الفتاة تلفّ رأسها بالشاشة البيضاء، وجدائلها على كتفيها؛ جدائل طويلة ومميزة. نظرت نظرة استنكار حادة. استغربتُ الموقف. ولم أسألها شيئًا. قالت بلهجة غريبة: وين انتو؟ فقلت ها نحن جئنا، وطلبتُ خبزا. قالت: حرمتونا اللقمةالسخنة. استنكرت الجواب، وأردت أن أذهب. فقالت: من يوم ما جيتو ونحن ننتظركم كل ليلة، وصرنا نعجن ونحسب حسابكم. إذن، كانت مستاءة لأننا لم نعد. تَنهَدَت وقالت: تعالوا كل يوم ممّ تخافون؟ لن نخبر أحدا. كان حديثها مليئا حماساً وعُنفاً ووطنية عفوية. وأحضرت إضافة إلى الخبز سلتين مليئتين بالزيت والزعتر والزيتون والجبنة وعلب اللحمة والسردين والبصل والتمر والزبيب والملبن. وقالت كلاماً يهزالأعماق: الكلاب سكتت لما شافتكم،عرفت أنكم أهل البلاد. لاحظتُ أنّ أحداً من البيت لم يخرج إلينا. ويبدو أنّهم اتفقوا أن لا يرانا أحد سواها، كانوا يثقون بها.
يضيف أبو علي: لم نعد إلى البيت، صارت طريقنا من جهة أخرى. هذه الفتاة تعيش في أعماقي؛ أذكرها، وكم تمنيت لو أستطيع أن أسدّها الجميل الذي في عنق كل فدائي.
لم أستطع العودة للقاء أبو علي. كنتُ أود لو التقيته وحدنا، أن أساله عن قضايا اتهمته وسائل إعلام بها أثناء توليه وزارة التموين. أكدّ لي أصدقاء عملوا في الوزارة حينها أنّ المبالغة والتضليل والظلم فيها كبير. ثم أصبح أبو علي جزءا من قضية تيار محمد دحلان. وكان جزءا من خلافات مختلفة، تناساها كثر بعد وفاته قبل أيام.
أبو علي شاهين تاريخ فيه صفحات كثيرة بحاجة إلى كتابة وقراءة، وبحث وتدقيق.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ابكيتنى يارجل (جلال)

    الجمعة 14 حزيران / يونيو 2013.
    رجل فلسطين ...النقاوة والطهارة ..شيخ الأرض ....المفترى عليه ......صاحب مقولات ...فالج لا تعالج والقائد لا يمكن أن يكون حاقد ..وغزه راحت واراحت...الرجل المضياف ....ام على ونساء فلسطين خنساوات
  • »شكرًا لكلماتك الصادقه (خليل)

    الخميس 13 حزيران / يونيو 2013.
    نحن سألنا ه من قبلك ...ابو على من الذين لا يهتمون لما يقال عنه ..سياسة ابو عمار ...كان يضحك ويقول كيف ارد على تافه..حاجته عند المرض أثبتت انه رجل عفيف ..وكان يدفع كل ما يملك المراه شهيد أو أسير أو مناضل محتاج..رجل بسيط يعشق الخليل كما بايت كما غزه كما عمان ...ام على خنساء فلسطين الصابرة المكتسبه ...أخت الرجال لا تعرف كم عانت في حياتها...بيتها كان مفتوحا ٢٤ ساعه بدون مبالغته...دحلان بمصابه ابنه الذي تزوج في بيته في بغداد ...لا يعقل أن يكون ابو على في تيار دحلان ..كلاهما من تيار فتح ...كلاهما كانا من أحباب ابو جهاد ....واحترام ابو عمار مهما صور العامه أن هناك اختلافا
  • »جراح في ذاكرة الشعوب (أبو انيس القروي)

    الخميس 13 حزيران / يونيو 2013.
    ما يثير الكثير من الحزن والأسى حين يتم اغتيال أو تصفية عشرات من القيادات الوطنية المخلصة لقضايا شعوبها ، وتبقى قيادات اقل ما يقال عنها ، أنها من أشباه الرجال تتربع على سلم الحكم والسلطة أطول فترة ممكنة ، وكما هو حال كثير من أنظمة الحكم العربية والإسلامية .... حيث لا يتم اغتيال أو تصفية تلك القيادات ، بسبب عدم وجود أي خطورة من قبل تلك القيادات على العدو الصهيوني ، أو ضد مصالح جهات دولية أو إقليمية.... حيث أن تلك القيادات لا تمثل سوى خدمة مصالح دولية وإقليمية أكثر مما تمثل مصالح الشعوب العربية والإسلامية.