حكومة نتنياهو تلملم أذيالها

تم نشره في السبت 18 أيار / مايو 2013. 02:00 صباحاً

شهدت الأيام الأخيرة دلالات كثيرة على أن حكومة بنيامين نتنياهو عادت إلى مسار الاصطدام بالواقع الداخلي، وانتهاء موسم "غطرسة نتائج الانتخابات" التي تملّكت الأحزاب الكبرى التي شكلت الحكومة الجديدة، معتقدة أنه بيدها بات كل شيء، وأنها قادرة على قلب المعادلات القائمة، وأبرزها الصدام مع جمهور المتدينين المتزمتين "الحريديم"، الذين باتت الصهيونية تعتبرهم العنوان الأبرز لأزماتها المستقبلية. والصدام بين الفريقين مسألة وقت، واعتقدت حكومة نتنياهو أن هذا الوقت قد حان؛ لكنها سرعان ما لملمت أذيالها.
فقد شكّل نتنياهو حكومته الحالية بعد أن استثنى كتلتي جمهور "الحريديم" اللتين تسيطران على 18 مقعدا من أصل 120 مقعدا في الكنيست. وهؤلاء قوة برلمانية شبه ثابتة في دعمها لليمين، خاصة منذ العام 2000. وجاء هذا الاستثناء بطلب من الحزب العلماني الجديد "يوجد مستقبل"، الذي حلّ ثانيا في الانتخابات، وحصل على 19 مقعدا. وفي تطور لافت، فقد حصل "يوجد مستقبل" على دعم من تكتل المستوطنين "البيت اليهودي"، الذي يمّثل أيضا جمهور "المتدينين الصهاينة"؛ أي التيار الديني المنخرط في الحركة الصهيونية، خلافا للحريديم الذين يرفضون الصهيونية من منطلقات دينية.
فإذا كان موقف العلمانيين تقليديا من الحريديم هو اعتبارهم جمهورا مغلقا على نفسه، لا يعمل ولا ينتج ولا يستهلك ولا يخدم في جيش الاحتلال، ويحظى بميزانيات ضخمة من الخزينة العامة، فإن المفاجأة جاءت مما بدا وكأنه تحول في معسكر التيار "الديني الصهيوني"، الذي سعى على مدى عقود إلى التواصل مع "الحريديم" وحماية امتيازاتهم المالية وخصوصيتهم. ولكن هذا التحول جوبه بمعارضة شديدة داخل التيار ذاته. ولهذا شهدنا في الأيام الأخيرة تراجعا في موقف هذا التيار اليميني المتشدد، الذي رأى أن هذا ليس وقت الصدام، كي لا يخسر هذا المعسكر سياسيا.
أمام كل هذا، اتخذ نتنياهو موقفا انتهازيا إلى أقصى الحدود، كعادته، مع علمه المسبق بالنتيجة النهائية؛ فلم يسعَ إلى الصدام مع "الحريديم" رغم أنه تركهم خارج الحكومة بهدف تمرير سياسته الاقتصادية التقشفية، ولكنه كان يعلم، مثلا، أن محاولة فرض الخدمة العسكرية الإلزامية على شبان "الحريديم" لن تمر بسهولة، كونهم يرفضون الخدمة لأسباب دينية رغم مواقفهم اليمينية.
وتقول التقارير إن اللجنة الوزارية المختصة بسن قانون التجنيد للحريديم بدأت تُظهر تراجعا في حدة موقفها، خاصة على ضوء تراجع التيار الديني الصهيوني. ولكن "الحريديم" لم ينتظروا "تفضل" نتنياهو عليهم وخبثه، فأطلقوا الشرارة الأولى مساء الخميس الماضي، بمظاهرة ضمت 30 ألف شخص، بحسب تقارير شرطة الاحتلال الإسرائيلي في القدس المحتلة، وتخللتها صدامات عنيفة مع عناصر الأمن الإسرائيلي. وهذه مظاهرة ما تزال "محدودة" بالنسبة للحريديم، وهي مجرد بداية.
نعم، إن المشهد الحاصل يشير إلى أن حكومة إسرائيل، ومن خلفها الحركة الصهيونية، رأت أن هذا ليس وقت الصدام العنيف مع جمهور "الحريديم"، في سعي إلى تفكيكه قبل مرور السنين، وتحقق كل التوقعات بأنه ستكون نسبتهم، في غضون عقدين، أكثر من 40 % من إجمالي اليهود، ما يضرب علمانية المجتمع الإسرائيلي. وهذا ما يخيف قادة الصهيونية، رغم أنهم يرون أن "الحريديم" هم الجهة الوحيدة من بين اليهود القادرة على كسر تنامي نسبة فلسطينيي 48 من إجمالي السكان في إسرائيل، وهذه هي المعضلة الكبرى التي تواجه الحركة الصهيونية في تعاملها مع "الحريديم".
ولكن وفق مسار تطور الأحداث الذي نشهده في هذه المرحلة، واستنادا إلى تقارير وأبحاث تصدر في إسرائيل، فإن الصدام واقع لا محالة بين الحركة الصهيونية وجمهور "الحريديم" الذي رفض الصهيونية لاعتبارات دينية، ولكنه وافق على مسايرة الوضع القائم، واعتبار إسرائيل كيانا عابرا إلى أن "يأتي المسيح لأول مرة إلى العالم ويقيم مملكة إسرائيل". سبب ذلك أن "المكسب" الديمغرافي الذي تحققه الصهيونية من "الحريديم" في مواجهة الفلسطينيين، ينعكس عليها سلبا في نواح عدة من الحياة، مثل ضرب نمط المجتمع العلماني مستقبلا، ولكن الأهم من ناحية إسرائيل، هو لجم الاقتصاد ووتيرة نموه مستقبلا؛ إذ إن سلسلة من الأبحاث تشير إلى أن نمط حياة "الحريديم"، ونمط استهلاكهم، وإحجام رجالهم عن الانخراط في سوق العمل، يمنع تحقيق قفزات أكبر في النمو الاقتصادي، وهي نتيجة قد تتزايد مستقبلا، مع تزايد نسبة "الحريديم".

التعليق