جولات كيري.. والحال واحد

تم نشره في السبت 20 نيسان / أبريل 2013. 02:00 صباحاً

قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري، في إفادته أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي: إن "الجهد" الذي يمارسه في الشرق الأوسط، بهدف استئناف المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية، "يجب أن يتم بحذر ودقة". وإذ لم يقل الوزير ما هي أسباب فشل جولته الأخيرة، فإن الصحافة الإسرائيلية كانت أكثر جرأة وصراحة، بأن اتهمت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وحكومته بإفشال مساعي استئناف المفاوضات.
كان كيري قد قال مع بدء توليه مهامه، قبل نحو شهرين، إنه سيولي أهمية كبيرة لقضية الصراع، وسيعمل على استئناف المفاوضات بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. وحتى الآن، قام بثلاث جولات إلى المنطقة، ما يُعد كثيرا في غضون شهر ونصف الشهر. ولكن كل هذه الزيارات لم تثمر شيئا. وكنا نتوقع أن يُفصح "الدبلوماسي رقم 1 في العالم"، كما تصفه الصحافة العالمية، عن نتائج تلك الزيارات، رغم أنه سمع، بشكل واضح، من نتنياهو وأقطاب حكومته، رفضهم للتفاوض على حدود الدولة الفلسطينية كأساس للمفاوضات، ورفض القيام بإجراءات تمهيدية لهذه المفاوضات، مثل إطلاق سراح الأسرى المرضى وقدامى الأسرى.
واكتفى كيري في إفادته أمام لجنة الكونغرس بالقول إنه لمس لدى الجانبين "رغبة شديدة وتوجهات هادفة"، ولهذا فإنه يشعر بالتزام كبير لكسر الجمود في المفاوضات. ولكن المفارقة أن حقيقة نتائج جولاته كنا نقرأها في الصحافة الإسرائيلية بالذات، والتي منها من وجّه إصبع الاتهام بشكل واضح لنتنياهو وحكومته بإفشال جولات كيري، بسبب موقف الحكومة المتعنت ورفضها التفاوض حول أسس الحل من جميع جوانبها. وتصر هذه الحكومة على الحصول أولا على اعتراف فلسطيني بما يسمى "يهودية إسرائيل"، وهو الشرط الذي يلغي ليس فقط حق عودة اللاجئين، بل ويجعل بقاء فلسطينيي 48 في وطنهم تحت علامة سؤال، كما أفصح عن ذلك وزير الخارجية الإسرائيلي السابق أفيغدور ليبرمان، والذي دعا مجددا في الأيام الأخيرة، إلى ترحيل فلسطينيي 48 بسبب إحيائهم ذكرى نكبة شعبهم.
بطبيعة الحال، لم نغرق في أوهام الفرج حين أبدى الوزير كيري عزيمة لاستئناف المفاوضات، لأننا نعرف ما هي حقيقة الطرف المعتدي، وخاصة بعد الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة التي أفرزت برلمانا أشد تطرفا؛ من نواب المستوطنين واليمين المتطرف، ومن حزب "يوجد مستقبل" الذي ادعى أنه "حزب وسط"، ليظهر لاحقا أنه في عمق المعسكر اليميني.
إن وزير الخارجية الأميركية ليس "سفير النوايا الحسنة للأمم المتحدة"، بل بصفته مبعوثا للإدارة الأميركية، من المفترض أن تكون في يده وسائل الضغط على الطرف المعتدي، والكفيلة بدفع الحل. وهذا أمر يتطلب قرارا استراتيجيا أميركيا من البيت الأبيض. ولكن بشأن هذه النقطة أيضا، علينا أن لا نتوقع شيئا من إدارة باراك أوباما الجديدة، التي تبدو أكثر ابتعادا من ذي قبل عن جوهر الصراع الشرق أوسطي.
وتتكشف حقيقة الموقف الأميركي في ما نشر عن استثناء الدعم الأميركي العسكري السنوي لإسرائيل، بقيمة 3.1 مليار دولار، من قرار تقليص الدعم الخارجي الأميركي، في إطار موازنة العام الحالي. وهذا بحد ذاته يبرز مستقبل حراك كيري وغيره من المبعوثين، والذي من الصعب تخيل أنه سيكون مغايرا لجوهر "الوساطة" الأميركية في المنطقة على مدى السنين الماضية.
إن حكومة إسرائيل لا ترى ما يحثها على إجراء تحول في موقفها؛ فالضغط الأميركي لا وجود له أصلا، والحراك الأوروبي والعالمي تلاشى مع السنين، والساحة الفلسطينية منشغلة بحالها، بجريمة التفتت والتفكك والصراعات الداخلية على من يكون زعيم الزنزانة وعريف الحاجز!
في إفادته أمام لجنة الكونغرس، حذر كيري من أن الفرصة للتوصل إلى حل ستُغلق بعد عامين، ولم يُنشر سبب تحديد هذه الفترة. ولكن كما يبدو، فإن لدى كيري المعطيات الكافية عن المرحلة وعن مخططات المستقبل، وكلها مخططات إسرائيلية تهدف إلى القضاء كليا على ما تبقى أصلا من آفاق للحل. والصمت الأميركي على ما يجري، يساعد إسرائيل على تطبيق المزيد من هذه المخططات.

التعليق