د.باسم الطويسي

الصراع في العقد القادم

تم نشره في الأحد 7 نيسان / أبريل 2013. 02:00 صباحاً

تستمرعملية تصنيع الطائفية السياسية كأداة في إدارة الصراعات الإقليمية، ورغم قدرة هذه الأداة في التعبئة والحشد إلا أنه قليلا ما يلتفت إلى حجم الآثارالكارثية التي تتركها. يوم الجمعة الماضي دعا مفتي عام السعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، إلى ضرورة تصدي الأمة الإسلامية للتشيع الذي يستهدف عقيدة المسلمين،  في اليوم نفسه حاول عشرات المتظاهرين السلفيين اقتحام منزل القائم بالأعمال الإيراني في القاهرة اعتراضا على تطوير القاهرة علاقاتها مع طهران، خاصة بعد وصول أوائل افواج السياح الايرانيين لمصر، في المقابل تمارس الدعاية الإيرانية ألوانا أخرى أكثر عمقا سياسيا وثقافيا في إدارة الملف نفسه.
في سورية تجد هذه الوصفة رواجا دعائيا مصدره خطوط الاصطفافات الإقليمية، ولعل أحد الأخطاء الكبرى التي ترتكب بحق الشعب السوري عدم الاشتغال على تحييد الطائفة العلوية في الصراع  بين النظام والثورة، ونسف التاريخ الوطني والقومي لهذا المكون الاساسي من مكونات الشعب السوري، فهل كان بالإمكان عدم زج العلويين في الدفاع عن النظام في دمشق على أساس طائفي. وبعيدا عن الأدبيات الدينية التاريخية فإن هذه الوصفة من المنظور الإقليمي العربي تعد وصفة قاتلة حتى إن وظفت من أجل صبغ النضال الديمقراطي في سورية بالشرعية الدينية من منظور الأغلبية الباحثة عن العدالة.
تاريخيا لم تطرح السنة وأهل الجماعة ذاتها كطائفة دينية، بل عبر التاريخ عبّرت عن نفسها بأنها الأمة، وثمة فجوات واسعة بين وعي الأمة ووعي الطائفة، حيث ظهرت الطوائف الأخرى كأحزاب سياسية وتيارات فكرية وعقائدية خارجة عن الجماعة التي تمثل الأمة في السياق التاريخي، حتى إن مفهوم "أهل السنة والجماعة" لم يظهر إلا في القرن الثالث الهجري بعد أن وصلت الفتن والاضطرابات السياسية حول الطوائف قمتها، وجاء في سياق محاولات للتمييز الديني السياسي للأمة بأكملها. وهذا سياق تاريخي وليس أيديولوجيا غير قابل للاستعادة أو التوظيف اليوم، حيث يتجاوز السنة 86 % من المسلمين في العالم. 
محاولات تأطير السياسة الإقليمية بالأبعاد الطائفية لم تتوقف، واستعادة قوتها وفاعليتها على المحور الإيراني – العربي وسط الفوضى الإقليمية وصراع الإرادات في ثلاث لحظات تاريخية حرجة؛ الأولى في المواجهة العربية للثورة الايرانية، والثانية في الحروب الاقليمية وعلى رأسها الحرب الإيرانية العراقية التي صنفت في مرات عديدة على أساس طائفي، والحروب الدولية التي شنت على المنطقة وأهمها حرب احتلال العراق، والتي قرئت في ضوء الصراع الطائفي في صعود الدورالايراني في المجال العربي الذي فسر على أساس أنه يعبر عن رغبة في الهيمنة، والثالثة المحاولة الحالية لإلباس النضال الديمقراطي للثورات العربية لبوسا طائفيا في موجة صعود التعبيرات السياسية الدينية.
إن الطائفية السياسية لا تتعايش أبدا مع الديمقراطية، وقد جُربت أوهام الديمقراطية التوافقية في الحالتين اللبنانية والعراقية بدون جدوى، لكن المسألة المحرجة أن تتحول إدارة الصراعات والنضال من أجل الديمقراطية تحت نغمة الطائفية السياسية وأن تتورط في ذلك الكتلة التاريخية العريضة التي طالما مثلت الأمة في المفهوم الاجتماعي الإسلامي.
 سنلاحظ بعد سنوات كيف أن الطائفية الإسلامية بكل مذاهبها والدعاية الدينية المحتدمة اليوم، لم تخدم سوى مشروع واحد يبحث عن الشرعية في العالم وهو مشروع  يهودية الدولة في إسرائيل الذي على أساسه سترسم خطوط الاشتباك والصراع في العقد القادم.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وجهة نظر (سيف)

    الأحد 7 نيسان / أبريل 2013.
    للأسف يبدو أن شعوبنا لا تتعلم بسهولة. مصممين أن نقتل الآخر كحل لإختلافنا.... هل يجب أن نمر بمراحل من القتل والدمار لا يستثنى منها أحد، حتى ندرك أن الدين السياسي ما هو إلا بدعة رجال الدين والمصالح السياسية؟؟ ألم يكن الهدف الأسمى للدين هو الوحدة والإتفاق لا الإختلاف والشقاق؟
  • »طرح متقدم (مواطن)

    الأحد 7 نيسان / أبريل 2013.
    مقال في غايه الاهميه و قد يشكل أساسا فكريا لكيفية تعاطي الامة مع الخلافات الطائفيه التي اعتمدها أعداؤنا كارخص وسيله للاحتواء, مستغلة الوهابيين و ادواتهم الاعلامية لتعزيز فكرة ان العدو هم كفرة يدعون الاسلام و ان حربهم واجبة, و ان اسرائيل ليست الخطر الأول, و نسي المسلمون أن الرسول عليه السلام عاش ة معه المنافقون و مع ذلك تعايش معهم و لم يطردهم من الدولة الاسلامية في المدينة, بل عاملهم كرعايا لهم كل الحقوق