عيسى الشعيبي

إكليلان على جبين حزب الله

تم نشره في الثلاثاء 26 شباط / فبراير 2013. 02:00 صباحاً

في أعقاب الأداء المدهش لحزب الله أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان العام 2006، ورده بقصف حيفا لأول مرة، وضعت الشعوب العربية ونخبها السياسية إكليلاً من الغار على جبين السيد حسن نصرالله الذي قاد تلك المواجهة غير المتكافئة مع آلة قتل متفوقة، وكسبها بكثير من الحصافة والشجاعة، الأمر الذي رفعه إلى سوية الأبطال لدى أمّة تتعطش لرؤية قادة باتوا نادرين في تاريخها المعاصر، وحاز على صدقية عالية، حتى لدى الإسرائيليين أنفسهم.
لقد بدا سيد المقاومة في حينه جديراً بالإعجاب الواسع، وأهلاً للتقريظ الكبير الذي حظي به من جانب أغلبية اللبنانيين وأكثرية العرب. كما بدا الحزب الذي تمكن من إطلاق الصاروخ الأخير في نهاية تلك الحرب، قوة مقاومة عابرة لحدود الطوائف والأقطار والتحفظات على هويته المذهبية الخالصة، وباتت صور السيد تعلق في الكثير من البيوت إلى جانب صور جمال عبدالناصر؛ القائد القومي الأكثر حضوراً في وجدان الأمة.
لقد علا حزب الله علواً لم يعل مثله أي تنظيم مقاوم آخر، وصار ينظر إليه كذخر يركن إليه في كل مواجهة محتملة مع إسرائيل التي لا تعرف غير لغة القوة. غير أن المقام لم يطل كثيراً بالحزب المقاوم الذي بدّل وجهة بنادقه المصوبة نحو إسرائيل إلى الداخل اللبناني، وبدا كميليشيا طائفية ذات حسابات صغيرة. ثم دخل بسلاحه الثقيل في زواريب السياسة المحلية، الأمر الذي أفزع شركاءه في الوطن الصغير، وشوه صورته الباذخة في مخيال أكثرية العرب والمسلمين.
لقد بدت دورة حياة حزب الله، المتراوحة بين العلو والهبوط السريعين، تماثل دورة حياة الأفراد والجماعات والشركات والإمبراطوريات؛ تنمو ويشتد عودها مع مرور الوقت، ثم تبدأ رحلة الأفول التدريجي البطيء، لتختتم مساراتها بالموت أو الإفلاس أو الانهيار، مع فارق أساسي هو أن حزب الله كان في العشرينيات من عمره عندما بدأ رحلة الضمور المعنوي الحثيث، وأخذت صورته المضيئة تبهت شيئاً فشيئاً إلى أن تحطمت عند مفترق الثورة السورية، ودخل من ثم في خريف العمر وهو لم يزل في ريعان شبابه.
كان كل ما ارتكبه حزب الله من أخطاء جسيمة، بما في ذلك اجتياجه لبيروت الغربية العام 2008، أمورا يمكن تبريرها على هذا النحو أو ذاك، بل وغض النظر عنها، نظراً لصموده المثير للإعجاب، وانتزاعه لقدرة معتبرة على ردع إسرائيل، بل وربما كسر أنفها الطويل إذا ما دقت ساعة المنازلة مرة أخرى. غير أن الخطيئة التي لا تغتفر وقعت عندما ناهض الحزب ثورة الكرامة.
في بداية الثورة السورية، كان مفهوماً لدى كثيرين أن هناك ضرورات لوجستية ملحة، وتحالفات إقليمية أوسع، تُكره حزب الله على مجاملة رعاته، وتملي عليه التضامن مع النظام الذي يشكل له حبل السرة، ويشد من ظهره في مواجهاته الداخلية والخارجية. أما عندما ذهب السيد نصرالله إلى القول ذات مرة، قبل نحو عام، أن لا شيء يجري في حمص، وأنه يقف سياسياً إلى جانب نظام الشبيحة ويصادق على رواية المؤامرة الخارجية، فقد كان ذلك إيذاناً ببدء تهشيم صورته القديمة، بل وحرقها في مظاهرات السوريين السلمية.
في الآونة الأخيرة، اجتاز حزب الله خطاً بلون الدماء السورية القانية، واستحق وزر لعنتها الأبدية، وذلك عندما عبر بعينين مفتوحتين المسافة الضئيلة بين الخطأ والخطيئة المميتة، وبدا كمن استبدل تقيته المعهودة بمقامرة بالغة الخطورة، مقارفاً بذلك فعلة سوداء قد لا يستطيع محوها من سجلّه بحربين ضد الآلة الإسرائيلية، ومقوضاً باشتراكه في حمام الدم السوري، جل ما كان قد تبقى له من مكانة سابقة، الأمر الذي جعل أكثرية الذين ألبسوه إكليل الغار، قبل نحو سبعة أعوام خلت، يضعون اليوم على رأسه إكليل العار، وهم يرونه يقاتل على مشارف حمص، ويستدعي الحرب المذهبية اللعينة.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الطائفية وغياب الموضوعية (ميس)

    الثلاثاء 26 شباط / فبراير 2013.
    مافعله حزب الله في سوريا هو مافعله الأكراد في سوريا. عندما شعر الأكراد انهم يجرون الى معركة هم يعلمون انها طائفية في جوهرها وأنها ستجلب الدمار لهم دافعوا عن منطقتهم وإشتبكوا مع الجيش السوري الحر بأسلحة ثقيلة وقع من إثرها قتلى من الطرفين. وكان معروفا ان أكراد سورايا يتلقون دعما عسكريا من الثوار الأكراد في تركيا والعراق. ثم عندما شن الجيش الأسدي الإجرامي هجمات كادت تضعف الجيش السوري الحر دخل الاف الجهاديين الأجانب الى سوريا مع سلاحهم لدعم الجيش السوري الحر. الغريب انا لم نسمع إدانات من معشر الصحفيين السنة على المواجهات الكردية ضج الجبش السوري الحر ولا إنتقاد لدخول أجانب للقتال في سوريا والعراق. لكن عندما يتدخل حزب الله ليحمي قرى سورية شيعية من تقدم مليشيات طائفية تكفيرية محسوبة على الجيش السوري الحر الذي أعلن طائفيته منذ اول يوم والذي يهدر دم الشيعة على مواقعه والذي تورمت كوادره بالجهاديين التكفيريين من الذين يفجرون الشيعة المدنيين في العراق وباكستان وأفغانستان فمن حق حزب الله ان يتدخل لرفد دفاعات المدنيين العزل الشيعة في ظل غباب سلطة محايدة قادرة على حمايتهم من خطر الجزر والذبح على أيدي التكفيريين الجهاديين. علينا ان نكون موضوعيين يا أستاذ ولانجعل من طائفيتنا عقبة تجعل منا نكيل بمكيالين حتى عندما تتطابق الظروف.