حنان كامل الشيخ

أسير آخر لا يموت!

تم نشره في الثلاثاء 26 شباط / فبراير 2013. 03:00 صباحاً

لا يمكن أن يمر استشهاد عرفات جرادات في سجون الاحتلال الإسرائيلي، نتيجة الضرب والتعذيب، هكذا بدون أن تهتز لنا شعرة في "حياتنا"، وقصص الموت تحيط بنا في صفحات الجريدة من كل مكان! ثم إن حرب الأمعاء الخاوية التي يخوضها ببسالة مقاومون فلسطينيون أمثال العيساوي الذي ضرب رقما قياسيا في الصبر والثبات، هو ورفاقه وأهله والمتضامنون معهم، تعطي أعظم درس في الحياة، رغم توفر كل أسباب الموت! وهنا دعونا نتفكر قليلا بفلسفة الحياة، القائمة على الطعام والشراب والدواء، على الرياضة والجمال والرفاهية، على التعليم والسكن والديكور، واللياقة والأناقة، وطرق الاتيكيت في الحياة العصرية، والسينما والغناء والشِّعر، وطرق العناية بالبشرة والشعر في ربيع 2013!
حياتنا يا أصدقائي في واد، وحياتهم هم في واد آخر، ورغم ذلك جميعنا نحيا ونتنفس على هذه الأرض. الفرق فقط أننا على قيد العيش، وهم في الحقيقة على قيد الحياة!
كيف نجرب أن نكون أحياء ونحن لم نقترب إلى حافة الموت؟ كيف نستطعم بلسعة السكر، على طرف فنجان قهوة مرة، ونحن المعتادون أن نشربها سكر وسط؟ كيف ندعي أننا نعرف الأحمر والأزرق والأخضر والبرتقالي، لأن جدارن بيوتنا ومكاتبنا مطلية ببهاء، فيما استطاع هؤلاء أن يعرفونه بالرؤية والسمع والشم واللمس، من خلف قبضان رمادية اللون؟ بالله عليكم من جرب أن يشم رائحة السماء؟ ومن كان يعرف قبلا أن للأحمر صوتا رخيما، وللبني لمسة مشوكة؟
هذه هي حياتنا التي لم نحياها لأننا تعودنا أن نعيش فقط، بدون أن ننتبه للفرق. وإن كان ليس مطلوبا منا أن نحيا المعاناة الكاملة، التي لم تتكرر مثلما نسمع بها ونشاهدها في سجون الاحتلال القمعية. لكن ذلك لا يعفينا من التوقف قليلا أمام موائدنا العامرة وأكوابنا الصاخبة بالثلج المكسر، وأرائكنا المريحة نوعا ما، وألوان "كفرات" هواتفنا، لنقارن بيننا وبينهم، في تجربة الصبر التي مثلا لا تتجاوز دقائق معدودة، على إشارات المرور المزدحمة، تتخللها حفلة شتائم وزوامير ومناكفات. لنقارن بيننا وبينهم في تجربة الانتظار التي أزعم أنها لم تتعدّ في أصعب حالاتها، استنادنا على قضبان سور قاعة القادمين في مطار، أو أمام شاشة الحاسوب، استطلاعا لنتائج الثانوية العامة، أو بقرب صناديق الاقتراع استنطاقا لأسماء تمنيناها، أو على حافة باب غرفة العمليات، بانتظار طلة تطيب خاطرنا. كلها تجارب قاسية، ومن الحياة أعرف. لكنها تتقهقر خجلا أمام قصة، مثل قصة جرادات، الذي ادعوا أنه مات بالسكتة القلبية، فيما جثته ما تزال حتى اللحظة، تنطق باللهجة الفلسطينية الفلاحية، بكلمات بسيطة لم تعد الآخ والآه، سببتها كدمات وضربات وتشوهات، ودماء ناشفة على طرف أنف الشهيد.
نعم، نحن في "حياتنا" نحب الحياة والزينة والتجارب الإنسانية المتنوعة، فرحا وحزنا وكبتا وشعرا وحبا. لكن.. عرفات جرادات، أعاد بدون أن يقصد ترتيب أولوياتنا. وها هم رفاقه القابضون على جمر المقاومة، يعلموننا ألف باء الحياة، وليس العيش فحسب!

hanan.sheikh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاسرى الفلسطينيين جوهر القظية الفلسطينية (مؤيد العبيسات)

    الأحد 3 آذار / مارس 2013.
    دون ادنى شك هم ركيزة اساسية لاي مفاوظات مستقبلية فهم عنوان التحرر والاحرار لن ننساكم ابدا فانتم الثورة والثوار
  • »الاسرى شمعة الحرية (كندة العبيسات)

    الخميس 28 شباط / فبراير 2013.
    اجمل ما خطت يداك سيدة حنان فانت اليوم تسطرين باحرف من نور اجمل الكلمات وعن من قهرتهم جدران السجون الصهيونية وقهرهم خذلان اخوتهم العرب من صمت معيب سيذكره التاريخ يوما
  • »نحن نعيش و حسب ! (فؤاد)

    الثلاثاء 26 شباط / فبراير 2013.
    أجمل ما قرات منذ أشهر .. الفرق بين الحياة و العيش
    شكرا حنان الرائعة دوما
  • »تصحيح (Sahar)

    الثلاثاء 26 شباط / فبراير 2013.
    أعتذر للخطأ في التعليق :التصحيح
    "إلى طريقٍ طويلٍ"
  • »قضية الأسرى قضية لا تموت (حسن مسلم)

    الثلاثاء 26 شباط / فبراير 2013.
    رحمة الله عليه والله أن الأسري هم الرقم الصعب الوحيد الأن علي الساحة في فلسطين كل القيادات الحركية والوطنية كلهم مسيسين وحزبيين وانقساميين إلا هؤلاء الشموس الذين يدفعون ضريبة تخاذلنا وخنوعنا.
  • »رائعة... (Amer)

    الثلاثاء 26 شباط / فبراير 2013.
    الكلام الذي يجعلك تتوقف و تتأمل هو الكلام الذي لا غبار عليه..
    أغبطك على هذه القدرة في توظيف الكلمات للدخول الى صميم القلب و العقل معا (ما شاء الله).
    شكرا جزيلا أستاذتنا الفاضلة...
  • »أرجوك لا تقلقي راحتنا بمثل هذه الأخبار. (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الثلاثاء 26 شباط / فبراير 2013.
    دعينا يا اسستاذه أن لا نغير عاداتنا .فنحن غير مهيئون لذلك . ودعي هؤلاء السجناء، ببطومهم الفارغة ، وهؤلاء الذين يشعلون انتفاضة ثالثه يصنعون العجائب .هم يعرفون دورهم . ونحن نعرف ملذاتنا .هم يهبون حياتهم للوطن ، ونحن نعمل لندخل في حلقة الدولار ، الاله الثاني الذي اصبح يعبده البعض .نحن تعودنا أن نأكل البسكويت بمحض ارادتنا ، ووضعنا أحسن من ثوار فرنسا .فهم كانوا يتوقعون البسكويت الموعود من ماري انطوانيت .هؤلاء في سجون فلسطين تعودوا أن يأكلون ما يزرعون ، وأهمه البصل . ونحن تعودنا على أكل اللحوم .هم تعودوا أن يطهرون مياههم بأيدهم ، ونحن نشرب الماء بزجاجات من الينابيع من قرانا. لذلك يا استاذة اياك أن نقارتي بيننا وبينهم . فالفرق بينهما كالفرق بين الثرى والثريا .أرجوك لا تقلقي راحتنا بمثل هذه الأخبار .فحن لسنا شعبا واحدا . فهم الاصليون الذين يصنعون التاريخ ، ونحن نراهن على سبق الخيل وسباق السيارات...
  • »حصانة الايمان (Sahar)

    الثلاثاء 26 شباط / فبراير 2013.
    ربما لم أعرف من قبل بأن القسوة والظلم من الممكن ان تقود الى طريقاً طويلاً من الصبر... لم اعرف من قبل بأن احتلال أرض ووطن وجحود عدو ظالم من الممكن أن يساوي بين الموت والحياة لدى البشر، ترى هل يمنح حب الارض والوطن تلك القدرة الرهيبة على ترك كل وسائل "العيش" براحة وأمان وسعادة حتى لو كانت مؤقتة خارج حدود الوطن ويمنحه قدرة على التجبر واجتياح معنى الحياة...؟عندما سمعت خبر استشهاده كما وغيره ممن سبقوه من الشهداء شعرت بقوة خفية وميلاً جارفاً مجنوناً كان يحاول أن يخمد الغيرة في قلبي... نعم كيف لهم الصبر الى هذا الحد كيف بذلك الشاب الذي رمى بعرض الحائط كل مغريات الحياة وبقى صامداً الى هذا الحد؟ كيف ....نقارن بينه وبين شاب آخر كل طموحه لا يتعدى بأن "يوقع" تلك الفتاة "الصامدة" بنظره في فخ محبوباته الكثر ليذهب في صبيحة اليوم التالي ويباهي أصدقاؤه بذلك الفوز الذي حققه للتو....كيف؟
    أهناك فعلاً في كل مواقع الارض شيء حقيقي وآخر مزيف أهناك حقاً رجال وأشباه رجال، نساء وفتيات بمئة رجل وآخريات لا أعرف ماذا يسمين
    الفرق بيننا وبينهم بأنهم تركوا جحيم الحياة ليذهبوا الى نعيم الآخرة ونحن تركنا جحيم الموت لنعيش جحيم الحياة !
    قي رواية أحلام ممستغانمي قرأت قولاً لها:
    الأكثر وجعاً ليس ما لم يكن يوماً لنا بل ما امتلكناه برهة من الزمن وسيظل ينقصنا الى الأبد
    هذا هو الالم بعينه أن تعيش الحياة وفي آخر العمر تكتشف بأنك لم تعشها كما يجب أن تكون، وبأنك افتقدت أشياء كثيرة ولم تعش أبداً الصبر وتتعايش مع الظلم والاحتلال وتبقى تطارهم حتى تغتالهم تماماً كما فعل الشهيد جرادات ففي قوة صبره قتل الظلم واغتال المحتل بقوة كبيرة وصبر عميق و...صمت مدوي
    فالظلم يكسب الانسان...الانسان فقط حصانة الايمان
    رحمك الله
  • »اسرى فلسطين يشهرون سلاح الجوع (فلاح العبيسات)

    الثلاثاء 26 شباط / فبراير 2013.
    الجوع هو سلاحهم الوحيد امام عدو غاصب لا يعرف الرحمة الجوع سلاحهم عندما تتقطع بهم السبل للدفاع عن انفسهم يا نار كوني بردا وسلاما على اسرانا الابطال