فريهان سطعان الحسن

أمهات على سرير الجحود!

تم نشره في الاثنين 25 شباط / فبراير 2013. 03:00 صباحاً

لم أشاهد هذه السيدة، ولكن قصتها وصلتني على أجنحة الوجع، فأتعبني حالها، وآلمني جحود بات يتأصل في مجتمعنا ونكران أصبح يلتهم إنسانيتنا.
في الأمس، حدثتني صديقة لي كانت في زيارة لقريبتها في أحد المستشفيات الحكومية. وفجأة سمعت أنينا موجعا وبكاء بصوت منخفض بالكاد يسمع من الغرفة المجاورة.
وحينما اتبعت الصوت، وجدت سيدة في الثمانين من عمرها، يغمرها الأسى والحزن والألم.. جلست بجانب سريرها، محاولة أن تخفف عنها معاناتها، وشاهدت امرأة تقبع وراء تجاعيد وجهها حكايات ومرارات تركتها سنين مضت، وزمان جار عليها واختار أن يتركها بمفردها تواجه أوجاعه وجحوده ونكرانه..
كان في يدها هاتف خلوي بسيط تنظر إليه وتهمس له بكلمات لم تكن واضحة من شدة البكاء، كأنها تعاتب هذا الجهاز الأصم أو تشكو له مرارة إحساسها.
 لم تنتبه أن أحدا يقف أمامها، فهي شاردة وتائهة وكأنها تعيش بمفردها على كرة أرضية واسعة المساحات.
سألتها عن سبب بكائها وحزنها، أجابت: أنا أرقد على سرير الألم منذ ثلاثين يوما، أوصلني ابني إلى المستشفى ولم أره بعدها، أوصيته حينما أتى بي إلى هنا أن يزورني باستمرار، وأن يجلب لي الطعام، وأنا للآن ما زلت أنتظره هو وحفيدتي..
وفجأة انهالت ببكاء استقر بين جنبات وجه مملوء بالتضاريس، وخلف خطوط راكمها الزمن، وقالت: هذا الهاتف الذي تركه ابني معي وغاب، يستقبل المكالمات فقط ولا يرسلها، لأنه قال لي لا حاجة أن أتصل أنا، وأنه هو من سيتصل حينما يستطيع.
لكن أنا محتاجة أن أتحدث معه. لقد اشتقت اليه! وتعبت من الانتظار ومللت جدران هذه الغرفة الموحشة! وبعد دموع وأنين طويل، قالت: أنا عندي ولدان وأسأل الله أن يعينهما على مشاغل الحياة ويرضى عليهما دنيا وآخرة، بس أمنيتي الوحيدة أن أشبع من رؤيتهما، وكنت دائما أتمنى لو كان عندي اخت أو ابنة، تنيران حياتي المظلمة.
حاولت هذه السيدة أن تتماسك، وقالت بنبرة حارقة: يجب أن لا ألوم ولديّ على عدم قدومهما، لأن الأول يعاني من الديسك والثاني يعاني من السكري.
ورفعت يديها إلى السماء وقالت: الله يشفيهم ويرضى عليهم وياخد من عمري ويعطيهم..
عادت لتسند رأسها إلى حافة السرير، وغطت بيديها عينيها الصغيرتين اللتين أنهكهما البكاء والحزن. وقالت: يا الله خذني من هذه الحياة لكي أرتاح وأريح من حولي، فلا أحد يشعر معي غيرك.. وبعدها لم تنطق بكلمة واحدة..
هي لحظات قليلة تحدثت فيها هذه الأم عن مأساة عمر بأكمله.. لا قلب يشعر معها ولا يد تمسح عنها هموم الدنيا.. ولا نظرة حب من فلذات أكبادها تجعلها متمسكة بالحياة.
سنين طويلة أفنتها من أجل أبنائها الذين استكثروا عليها زيارة كانت يمكن أن تمنحها أملا في هذه الحياة الصعبة، ومع ذلك هي تضع لهم كل الأعذار، لأنها الأم..
هي واحدة من أمهات وآباء كثر أفنوا حياتهم من أجل أبنائهم، ليواجهوا عقوقهم، ويقضوا بقية أيامهم فرائس وحدة قاسية؛ يصفون كيف غدرت بهم الأيام، وأصبحوا وحيدين، ينتظرون لحظة حنان، تعيد لهم أبناءً اختطفتهم أنياب الحياة..
في مسح أجرته وزارة التنمية الاجتماعية مؤخرا كشف عن وجود 11 مسنا في دور رعاية كبار السن لم يراجع بشأنهم أي من ذويهم لمدة تراوحت ما بين 3 و18 عاما، وسبق ذلك وفاة نزيلة مجهولة الهوية، وحفظ جثتها لأسابيع في ثلاجة الموتى لحين التعرف على أقاربها ودفنها.
السؤال هنا: ألهذه الدرجة أصبح الآباء عالة على الأبناء؟! كيف يغمضون أجفانهم وهم يتركونهم في أمس الحاجة اليهم؟!! وحيدين يتجرعون الأسى ولا يملكون سوى الأمل بأن يحنن الله قلوب أبنائهم عليهم، قبل أن يغادروا هذه الدنيا..
سيدتي الحبيبة القريبة من نبض الوجع: امسحي دمعك قبل أن يراه أبناؤك، فيعتقدون أنك غاضبة عليهم،.. واتجهي بدعائك أن يهدي الله هذا الجيل الجديد بأكمله!..

f.alhassan@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الام (سهير البكري العمد)

    الاثنين 25 شباط / فبراير 2013.
    الايعرفون ان الجنة تحت اقدام الامهات وهذا يكفي
  • ».فهؤلاء العقوقيون سيعاملون من أولادهم تماما .. (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الاثنين 25 شباط / فبراير 2013.
    دعيني ايتها الكاتبة الشابة التي يخفق قلبها الكبير وترتعش لأول دمعة تهطل على وجه أي انسان مقهور على ظهر هذه البسيطة الظالمة .وحتى أهدأ من روعك فأن الأولاد العقوقين يجرون اعمالهم العقوقية أمام أولادهم .وعندما يكبرالأولاد ويستقرون بحياتهم ، فسوف يعاملون أهلهم عندما يصبحون في سن الشيحوحة ، تماما كما عاملت امهاتهم أو أباؤهم لوالدهم وامهاتهم.مهما فعلت كل شيء يدور حول نفسه بالنهاية ، حياتنا مليئة بالطمع والجهل وبالنهاية تموت ، مهما فعلت قدرك هو المقدر لك بالنهاية مهما هربت منه ، حياتك بالنهاية هي داخل تلك الدائرة لا تستطيع الهروب منها .وكما تعامل تعامل .فهؤلاء العقوقيون سيعاملون من أولادهم تماما ..
  • »حزن صامت (Sahat)

    الاثنين 25 شباط / فبراير 2013.
    ست فريهان بصراحة....عندما قرأت الخبر في جريدة الغد الاسبوع الماضي المتعلق بالمسح الذي أجرته وزارة التنمية كنت متأكدة بأن مقالك هذا الاسبوع سيتعلق به وأن لم تكتبي كنت قد قررت مسبقاً أن أبعث مقال بهذا الموضع فقد آلمني فعلاً هذه الدرجة من القسوة واللامبالاة التي ترقد في قلوب فئة كثيرة من الابناء فكيف لهم ان يعيشوا حياتهم بشكل عادي وكأن شيء لم يكن؟ فأسأل نفسي عن هذه السيدة التي ذكرتها ؟كيف لهم حذف صورتها من مخيلتهم ؟كيف لهم أن يكتموا صوتها ؟ وكيف لهم أن ينسوا عمرها ذاك الذي أهدته لهم رغم أنها كانت تستطيع أن تغير حياتها وحياتهم بقرار بسيط إلا أنها قررت أن يكونوا هم كل حياتها لكنها الان اكتشفت بأنها خسارة كبيرة وكما قالت احلام مستغانمي "بأن هناك خسارات كبيرة الى حد لا خسارة بعدها تستحق الحزن" فهنا يكمن الحزن الكبير.... في قلبها وعقلها فحزن هذه السيدة حطم قلبها وأسأل الله أن يمد بعمرها حتى يصحو ضمير أبناؤها من تلك الغفوة التي طالت وأن يبعد عن قلوبنا القسوة وأن نبقى نحمل في هذا القلب كل المحبة والرأفة والحنين لأهلنا .