عيسى الشعيبي

لمن يكتب الكاتب؟

تم نشره في الجمعة 22 شباط / فبراير 2013. 03:00 صباحاً

من المرجح أن معظم القراء لا يعرفون حقيقة أن هناك نحو ست عشرة مرحلة تمر بها الكلمة، ابتداءً من كونها فكرة مجردة في ذهن الكاتب، إلى أن تصبح نصاً مطبوعاً في كتاب أو صحيفة. أي إن الفكرة تحتاج إلى مراحل أكثر عدداً من عملية تحويل حبات القمح إلى رغيف خبز ساخن؛ بل وقد لا تعلم سوى قلة من الكتّاب أنفسهم بتراتبية هذه المراحل التي تجتازها مقالاتهم قبل أن يطالعوها في اليوم التالي في الصحيفة.
على أن هذا التمهيد لا يجيب عن السؤال الذي لا يبارح ذهن الكاتب وهو يتخير موضوعه من بين عدد من القضايا المثارة في محيطه. فهناك كاتب ينأى بنفسه عن القضايا الخلافية؛ وآخر لا يعي ماهية المسائل الأشد إلحاحية من غيرها لدى المخاطبين بإطلالته؛ فيما يتنقب المنخرطون بجدية في مخاطبة الرأي العام، المهمومون باللحظة السياسية المتغيرة من وقت لآخر، في كيفية التقاط الجمرات الملتهبة برؤوس أصابعهم، والإسهام من ثم في السجال المحتدم في حينه حول الأولوية الأولى لدى المتلقين.
على هذه الخلفية يتميز الكتّاب، ليس بين بعضهم بعضاً فقط، وإنما كذلك لدى جمهور لا يرحم كاتبه المفضل عند أول زلّة قلم، ولا يغفر له الابتعاد عن الموضوعات الأثيرة لدى الناس؛ حتى إن البعض يهاتف لائماً، ويبدي خيبة أمله إزاء تجاهل الكاتب لهذه المسألة أو تلك من المسائل المطروحة للنقاش العام. وعندما يتغيب أحدهم عن الإدلاء بدلوه في لجّة بئر الاهتمامات المركزية، ويتكرر الأمر لفترة ما، ينصرف القرّاء عنه، ويصدرون أحكامهم القاسية بحقة بدون أن ينذروه بذلك.
وأحسب أن الإشكالية التي تتجدد من تلقاء نفسها لدى الكاتب الصحفي على وجه التحديد، وتتسع أكثر فأكثر عنده وهو يفاضل بين عناوين موضوعاته المثارة في المجال العام، هي أن صاحب الرأي لا يكتب لنفسه، إلا أنه لا يستطيع إلا أن يكتب نفسه؛ أي إنه ينظر في مرآة ذاته أولاً، ويقارب مستوى التوقعات لدى المتلقين لمطالعاته ثانياً، ثم يقدم قراءته الموضوعية لمكونات المشهد، قبل أن يعرض خلاصة رأيه بدون مجاملة، ويعرب عن موقفه المستقل بالضرورة.
بكلام آخر، ليس الكاتب قلم حبر لا لون ولا طعم له، ولا هو حيادي إزاء ما يدور في محيطه، إن لم نقل إنه منحاز لرؤيته، أمين على فكرته، محارب في الدفاع عن وجهة نظره التي قد تروق لهذا وقد تستمطر شآبيب الغضب من لدن ذاك. وبالتالي، فإن من نافل القول اتهام الكاتب بأنه يؤثر هذا الفريق، وينتصر لهذا الرأي ضد ذاك؛ فهذه صفة الكاتب وميزته النسبية، ومفارقته المهنية عن معدي التقارير الإخبارية ورواة الأحداث الجارية، والتي تُنضّدد كما هي بدون تدخلات.
وليس أدل على ذلك من أن القراء حين يؤثرون كاتباً بعينه، ويحرصون على مطالعته بانتظام، فإنهم يؤثرون في الحقيقة صاحب الرأي المتحلي بالشجاعة الأدبية والاستقامة السياسية، على غيره من الكتّاب "الأوادم" (جمع آدم)؛ أؤلئك الذين يبحرون في المياه قليلة العمق، ولا يودون أن يغضبوا أياً من الفرقاء في السجال. حتى إن الصحف ذاتها لا تميل إلى استضافة مثل هؤلاء الكتاب المحايدين في زمن لا حياد فيه، بل تحرص على احتضان كل ذي نبرة قلم لا يتثاوب، وكل صاحب رأي لا تأخذه في الحق لومة لائم.
إزاء ذلك كله، لا محل لتعليق قارئ يتهم كاتباً بالانحياز، ويصفه باللاموضوعية ويطالبه بالحياد، وذلك إذا ما أتى السياق على غير هوى القارئ نفسه، المنحاز حتماً لرأي خاص به، أو موقف سبق أن اتخذه حيال اليوميات المتداولة بين الناس. ففي الأصل، الكاتب يكتب نفسه، ويعبر عن ضميره، وينسجم مع منظومة قيمه واعتباراته، ويقول ما عنده من رؤية خاصة واستخلاصات متماسكة، ولا يتوقع في الوقت ذاته أن يرضي جميع المخاطبين الذين بات عددهم في زمن طبعة الصحفية الالكترونية يناهز مئات الآلاف.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق