عيسى الشعيبي

نقاب السيدة أم كلثوم

تم نشره في الجمعة 15 شباط / فبراير 2013. 03:00 صباحاً

في بلدة مصرية شهيرة اسمها السنبلاوين، وهي من أعمال مدينة المنصورة التي شهدت الحملة الصليبية السابعة، آخر الحملات الصليبية الفاشلة في القرن الثالث عشر، أقام المصريون تمثالاً كبيراً لواحدة من أشهر نساء البلدة، بل وأشهر نساء مصر والعالم العربي، تخليداً لذكراها الباذخة، وتكريماً لعطائها الفني واعترافاً ببذلها الوطني، وكل ما عبقت به حياة كوكب الشرق "أم كلثوم" من قيم نبيلة.
يتربع تمثال أم كلثوم البرونزي فوق قاعدة حجرية عالية، ويحتضنه ميدان فسيح وجميل يتوسط شوارع البلدة التي اشتهرت ذات يوم باسم المطار السري بعد حرب العام 1967، حيث ظلت أم كلثوم بوجهها السافر، وعقدة شعرها المميزة، ومنديلها ذائع الصيت، تطل على عابري ذلك الميدان بأريحيتها وسماحتها المعهودتين، خصوصاً لكل من أحب سيدة الغناء العربي حباً جماً.
قبل أيام معدودة، تفاجأ أهل البلدة بقيام مجهولين بوضع نقاب أسود على وجه صاحبة أجمل الأصوات وأعذبها منذ عهد زرياب، فسارع القوم إلى إزالته وهم يتساءلون بقلق يشوبه الغضب: من هؤلاء الذين تجرأوا على هذه الفعلة النكراء؟ هل هم من الجماعات الظلامية التي سبق لها أن حجبت وجوه تماثيل فرعونية في الاسكندرية تطهّراً من شبهة عبادة الأصنام، أم هم نشطاء مدنيون معارضون أرادوا التنبيه مبكراً إلى ما قد يؤول إليه وضع مصر تحت حكم نظام ثيوقراطي؟
ومع أن نقاب أم كلثوم لم يثر لدى محبيها أكثر من ابتسامات ساخرة، وبعض من التعليقات اللاذعة، إلا أنني وجدت نفسي تحت تأثير انفعالات خاصة، استعدت خلالها ذكريات ليست شخصية تماماً، ولذت بندم قديم لم يبارح خيالاتي إلى اليوم، ومن ذلك مثلاً أنني حرمت نفسي، عندما كنت طالباً في القاهرة، من حضور واحدة من الحفلات التي كانت تحييها أم كلثوم ليلة الخميس/ الجمعة من أول كل شهر في سينما قصر النيل.
فلقد أدركت بعد فوات الوقت، أن لأم كلثوم مكانة رفيعة وقيمة رمزية كبيرة، كان أول من التفت اليهما الزعيم الراحل جمال عبدالناصر غداة ثورة الضباط الأحرار، الذين أراد البعض منهم منع "الست" من الغناء، فذهب إليها قائد الثورة بنفسه، وقدم لها الاعتذار المناسب، ومنحها قلادة النيل في وقت لاحق، لتعاود هذه الأيقونة عطاءها الذي لم ينقطع إلا في أوائل عهد أنور السادات.
كان مرد مقاطعتي لليالي كوكب الشرق هو أمر ما يزال يؤنبني إلى اليوم؛ فكرة ساذجة غرسها مثقف "ثوري" في عقلي الغض آنذاك، مفادها أن أم كلثوم مطربة من عصر الإقطاع، وأنه لا يحفل بفنها سوى البرجوازيين وبقية من الرعاع والمدمنين. وهي فكرة لم أفطن إلى سخافتها إلا بعد أن مر الوقت كله، الأمر الذي حملني بعد سنوات، وعلى سبيل الاعتذار، إلى زيارة مسقط رأس السيدة التي طبقت شهرتها الآفاق الواسعة.
وفيما يشبه عملية تعويض عن تلك الخسارة الفادحة، وطلب الصفح من أم كلثوم، حرصت طوال وقت طويل مضى، وما أزال، على الاستماع إليها بعد منتصف الليل يومياً على وجه التقريب، لاسيما عبر إذاعة الجامعة الأردنية التي تواصل دون غيرها بث روائع كوكب الشرق، بكل ما كان يرافق حفلاتها من تصفيق طويل وصخب جميل، وإعادات لا يمل منها السامعون، الأمر الذي يشعرك وكأنك في خضم الجلبة جالسا في سينما قصر النيل.
وبالعودة الى مسألة النقاب الذي بثت مشهده أكثر من فضائية مصرية واحدة، فإن السؤال الموجع هو: ما الذي يجري في مصر هذه الآونة؟ وإلى أين يمضي الظلاميون (وهم على الأرجح من ارتكب هذه الفعلة) بالتراث الفني والإبداع والثقافة في البلد الذي أهّل مصر بهذه الأسلحة الناعمة لقيادة العالم العربي، وجعل منها منارة تشعّ في محيطها الواسع؟ هل يعي هؤلاء الماضويون المثقلون بمشاعر الكراهية لكل ما هو جميل أنهم يسفّهون أنفسهم بأنفسهم، وأن إجبار أم كلثوم على ارتداء النقاب ضرب من ضروب الهلوسة ليس إلا؟

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سدني (جمال ناصر)

    الجمعة 15 شباط / فبراير 2013.
    لن يفلحوا وأنا أوافقك أنهم الظلاميون ذو ي العقول المتحجرة يريدون إطفاء نور الفن والتراث والابداع