عيسى الشعيبي

ليلة القبض على حمادة "المسحول"

تم نشره في الجمعة 8 شباط / فبراير 2013. 03:00 صباحاً

في زحمة الأجندات المحلية، وتعاظم الهموم الداخلية في سائر بلدان الربيع العربي، مر مشهد سحل مواطن مصري على هواء البث الفضائي المباشر، حين ساقت الأقدار حمادة صابر إلى قرب قصر الاتحادية في القاهرة، بدون أن ينال هذا المشهد الاهتمام الذي يستحقه، ولا يثير التنديد الذي تستوجبه هذه الواقعة المشينة، التي لا تحدث إلا في الدول التي تستشري فيها حروب أهلية طاحنة، وتعلو فيها العصبيات العرقية والدينية على كل ما عداها من مشتركات وطنية.
غير أن الإعلام المصري، بمحطاته الفضائية المرئية على أوسع نطاق داخلي، قام بالمهمة وحده بكفاءة عالية؛ إذ ظل يواصل بث المقطع الذي صورته كاميرا هاتف نقال بالصدفة، طوال ليلتين متتاليتين، سهدت فيهما عيون ملايين المصريين والعرب حتى الصباح، وجزعت خلالها قلوبهم الملتاعة، ولهجت في غضونها ألسنتهم بالأسئلة الاستنكارية، لفرط ما انطوى عليه المشهد المفزع من سادية، ولشدة قسوة ما فاض عنه من تعرية وقسوة وحشية.
ولا أحسب أن احداً في القرية الكونية الصغيرة فاتته رؤية ذلك الفيديو القصير، ولا خامرته الارتيابات بصحة الواقعة، بعد أن تولت أكبر شبكات التلفزة الأميركية والأوروبية عرضه مرة إثر مرة، أمام جمهور مشاهدين من كل جنس، مصدومين من هول ما وقع لذلك المواطن المصري من تعذيب وسحل وتنكيل غير مفهوم، أياً كانت تهمة حمادة "الغلبان"، حتى لا نقول جريمة هذا الإنسان الذي صار يعرف باسم "مسحول الاتحادية".
ولعل أكثر ما صدم المصريين وغيرهم من العرب، المروعين بما آلت إليه أحوال شعب الكنانة تحت حكم جماعة الإخوان المسلمين بعد ثورة 25 يناير، أن قيادات هذه الجماعة التي عانت الأمرّين في زنازين النظام السابق، واختبرت الظلم وألوان القهر، تقوم الآن بتقليد جلادها وتقتبس خطابه في وجه خصومها الجدد، ممن كانوا شركاءها في الثورة؛ إذ لا يتورع المتحدثون باسمها عن الدفاع عن الاستبداد بفظاظة، تحت شعار حماية مقام الرئاسة.
كان السؤال الموجع المشترك بين نخبة من مثقفين وقادة رأي عام ورجال إعلام وثوار مصريين، وهم يعلقون على مشهد التعذيب على أبواب قصر الاتحادية، هو: ما الذي يحدث إذن في السجون وداخل أقبية وزارة الداخلية بعيداً عن الكاميرات، إذا كان هذا القدر من الوحشية يحدث على الرصيف تحت أعين المتظاهرين؟ وما الذي تغير في مصر بعد الثورة التي رفعت شعار الكرامة الانسانية مبكراً، إذا كان النظام الاستبدادي السابق قد أعاد إنتاج نفسه تحت حكم المرشد على نحو أشد هولاً مما كانت عليه الحال في زمن العسكر وعهد حسني مبارك؟
ونحن لسنا أكثر بلاغة مما تدفق على شاشات التلفزيونات وتصدر صفحات الجرائد المصرية من تعقيبات تنم عن قراءات حصيفة لهذه الواقعة التي تستبطن الكثير من العظات الثمينة. غير أننا لسنا أقل منهم صدمة بما تلبد في سماء الربيع العربي من غيوم سوداء، تنذر بأمطار صفراء حامضة، ونحن نرى تطبيقات الحكم الديني في مصر الكبيرة، وشقيقاتها الأصغر، تسرق منّا أفراحنا القليلة بهذا الربيع المديد، وتغتال آمالنا الواسعة بزمن عربي ديمقراطي جديد، وتشفي في الوقت ذاته غليل الطغاة الذين راحوا يقولون بتبجح: ألم نقل لكم ذلك من قبل؟
والحق أن من حاولوا التستر على فضيحة تعرية وتعذيب حمادة "المسحول" ارتكبوا جريمة أفظع من الواقعة المزرية ذاتها، عندما أرغموا الضحية على الاعتراف بأن المتظاهرين، وليس رجال الأمن، هم من قارفوا هذه الفعلة المهينة للوجدان الإنساني. ولعل هذا المخاض الذي تعيشه مصر في هذه الآونة يبث في أوصالنا المصطكة هلعاً من شر ما يدبره لنا الاستبداديون الجدد، تفاؤلاً ليس ضئيلاً بأن كل هذا التخبط في القول، وهذا التعسف في تصريف الحكم، لن يدوم طويلاً قبل أن يعاود الربيع من جديد الاشتعال بالورود الحمراء.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق